فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 6

تأملات في آية

أحمد بن عبد المحسن العساف

الحمد لله رب العالمين؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا؛ وبعد:

فهذا مزارع طاعن في السن وعنده جنة من عمل يده: كثيرة الزروع، وافرة الثمار، وارفة الظلال، ماؤها عذب زلال وهواءها نسيم عليل معطر بشذى الزهر والورد. منظرها يسحر العين فلا تكاد تنصرف عنه البتة ويأسر النفس فلا تنساه أبدًا.

وذات ليلة ظلماء أصاب هذه الجنة إعصار فيه نار فاحترقت وعادت أرضًا خرابًا يبابًا: ماتت زروعها وتلفت ثمارها وغار ماؤها وفسد هواءها وأنتنت رائحتها وزال بهاؤها وذهبت نضرتها فلم تعد منظرًا بهيجًا يسر الناظرين. وعندها أسقط في يد صاحبها المسن وأخذ يتفكر! فإذا به أمام جهد عقود من الزمن أضناه أيام شبيبته قد ضاع واندثر؛ ثم نظر أخرى فإذا أولاده صبية صغار لا يجلبون نفعًا ولا يدفعون ضررًا بل هم على التحقيق همٌّ آخر، ثم نظر ثالثة إلى نفسه حيث يرزح تحت أثقال ثمانين عامًا أو أزيد وقد ناوشته الأمراض والعلل من كل جانب وتزاحم عليه الضعف والكبر والمرض من كل حدب وصوب؛ ثم بلغ منه الألم والحسرة كل مبلغ لأنه لا يستطيع إعادة جنته لضيق الزمان وضعف الحال وقلة المعين.

أفيتمنى أحد أن يكون كهذا الرجل؟ إني أظن أن لا؛ ولنستمع لقول ربنا عز وجل:

"أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون". البقرة 266

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت