الصفحة 4 من 5

الدراية خير من الرواية، فعلم تدريه خير لك من علم ترويه، وخبر تعيه وتدريه خير لك من خبر تسمعه وترويه؛ لأن العقول أوعية وخيرها أوعاها!!

ثانيا: التلقي العقلي:

وهو سيد الحواس، ومعلمها الأول، فإذا افتقدت تلك الحواس تعليماته وإرشاداته تاهت سبل المعرفة، وضلت طريق الرشاد، لذا فإن الفلاسفة يعتقدون بأن"المعقولات لها قيمة علمية يقينية، أما المحسوسات فلها قيمة علمية غير يقينية"

وهناك عدة وظائف للعقل، مثل: التفكير، الفهم، التمييز، الإدراك، البصيرة، التذكر، الاعتبار، الحفظ، اليقين، الدراية، الاستدلال، وغيرها من المهام والوظائف، ولسنا بصدد مناقشة هذه الوظائف، وإنما نود أن نسلط الضوء على الوسائل الكفيلة والقادرة للوصول - عبر هذه الوظائف - إلى نتائج تمكن المتعلم والمثقف للاقتراب من الحقيقة، أو ملامسة الواقع، وذلك عبر مقدمات تمكن أصحابها من الوصول إلى تلك النتائج، أو ما يسمى بالبناء المنهجي لتلك الوظائف، التي منها:

أ ـ التثبت:

عادة ما يركن الإنسان إلى الشيء الذي يرغب فيه، ويستهويه، سواء أكان هذا الشيء عقليا أم حسيا، وقد نجده في مرحلة من المراحل يدافع عنه دفاع المستميت، ظنا منه أن ما توصل إليه هو الصحيح

والأمر على خلاف ذلك؛ لأنه قد تطيَّر وتجنَّح بالهوى الذي يحجب العقل عن نور الحقيقة، والاستضاءة بهداها، وفي ضوء ذلك عليه بالتثبت وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام حتى لا يندم جراء أخطاء الهوى والعجلة؛ لأن التثبت يكبح جماح التفكير من الشطط أو الوصول إلى نتائج خاطئة

والتثبت يقينا من الوقوع في الأخطاء، ليس في مبحثنا العلمي فحسب، وإنما حتى في علاقتنا مع الآخرين؛ لأن التسرع في إصدار الأحكام هو من الجهل، لذا ورد في الحديث الشريف:"التثبت رأس العقل، والحدة رأس الحمق"

كما أن من خصائص التفكير العلمي دراسة المشكلة أو الظاهرة المراد دراستها بكافة أبعادها ونواحيها، حتى يتمكن المتعلم أو الباحث من التثبت على الحقيقة العلمية؛ لأن من

"صفات الحقيقة العلمية (اليقينية) ، أي: استناد الحقيقة العلمية على مجموعة كافية من الأدلة الموضوعية المقنعة، بحيث لا يبقى هناك شك في صدقها"، وعلى هذا الأساس، فإن الباحث العلمي، أو المتقصي للحقيقة، لا يتسرع في إصدار أحكامه ما لم يمتلك البرهان والدليل على ما توصل إليه

ب ـ الموضوعية:

يفقد التفكير وظيفته فيحول دون الوصول إلى الحقيقة حين يقع في أسر التزمت والتحيز أو التعصب، فيبتعد عن الموضوعية التي تقرب المتعلم والباحث من الحقيقة، التي ينبغي أن يتمسك بها وإن خالفت منطلقاته، ومسبقاته الفكرية

وللموضوعية أرضية صلبة تنطلق منها، حتى يتسم التفكير بالنضج والعقلنة، فتصبح جميع إنتاجاته ذات صفة ومدلول علمي، منها:

أولا: قبول الحقيقة ونشرها:

يقوم بذلك بعد أن يكتشفها، أو يتيقن منها حين يكتشفها الآخرون، وإن خالفت ميولاته واتجاهاته، بحيث لا يقف منها موقفا معاديا، ولا من أشخاصها، وهذا يتطلب التجرد عن الذات أو التعصب للرأي، وهنا لا بد أن نسلم بالرأي الآخر ونقبله إذا ثبتت صحته.

ثانيا: الانفتاح العلمي أو العقلي:

وهو الاطلاع على ما ينتجه الآخرون من أفكار ورؤى تتعارض وما ننتجه من نوعية لتلك الأفكار، حتى يتبين لنا الحق فنتبعه، دون أن تحول المواقف الشخصية من مناقشة الآخرين، أو الاطلاع على ما يمتلكون من آراء وأفكار؛ ليمتد ذلك فيصل إلى العلاقات الاجتماعية ومواقفنا من الناس؛ لأن المثقف والمتعلم حتى يخرج من دائرة الهمج الرعاع اتباع كل ناعق الذين يميلون مع كل ريح، عليه أن يتحلى في سلوكه بما يعتقد من أفكار، وأن يتقمصها في مظهره، حتى لا تنمو لديه"الازدواجية"، فتصبح شخصيته ذات شقين، ظاهره يختلف عن باطنه، فيكون كالذي ينسلخ من جلده

ج ـ التجديد والإبداع:

التفكير الحيوي هو القادر على مواكبة مستجدات الحياة، وما ينبض فيها؛ لأن عقل الإنسان كالماء، إذا تحرك وتجدد انبعثت فيه الحياة، أما إذا ركد وتلبد فإن البكتيريا والطفيليات سوف تعزز موقعها فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت