وعلى الرغم من هذه العناية التي أولاها المتقدمون للقراءة، إلا أننا نجد"الخلف"قد أضاع ما نهجه"السلف": فأمة أقرأ لم تعد تقرأ، والإقبال على الكتاب المفيد وقراءته في ذلك العهد المشرق قد ولى ربما دون رجعة، لتحل ـ في عهدنا الحاضر ـ وسائل بديلة عنه كـ"الانترنيت"الذي يعرض برامج كثيرة، تصرف المتعلم عن قراءة المفيد من محتوياتها، فينشغل بما لا ينفعه
كما أن الإحصائيات التي أوردتها منظمة اليونسكو بخصوص نسبة القراءة تثير المخاوف، فقد أشارت إلى أن متوسط القراءة في العالم العربي (6دقائق) في السنة للفرد!!، وأنه يصدر كتاب لكل ربع مليون مواطن عربي سنويا، في مقابل كتاب لكل (15الف) مواطن يصدر في العالم المتقدم (مجلة المعرفة العدد 57)
وحتى تصبح القراءة رافدا من روافد الثقافة والفكر، ومعينا لا ينضب نتزود به بين الفينة والأخرى، هناك ملاحظتان ينبغي مراعاتهما في هذا الجانب:
أ ـ تخصيص وقت معين للقراءة، بحيث تصبح جزءا رئيسا من حياة المتعلم، وليس شيئا ثانويا، إذ لابد من اعتبارها عملا من ضمن الأعمال ذات الأهمية القصوى، لا أن تعامل كأنها"كلمات متقاطعة"، لتصبح للتسلية والترفيه، وعلى هذا الأساس لا بد من اقتطاع وقت ثابت يحرص عليه من أجلها
ب ـ أن يبحث المتعلم عن الفائدة والحقيقة، لتشكل هذه الفائدة الغاية التي يبحث عنها في قراءته، فليس المهم أن يقرأ ما يحب، أو قراءة تعزيز الذات من خلال الأفكار والرؤى التي تتماشى والنمط الثقافي أو البيئي له، أو قراءة ما يود أن يحققه في نفسه من انتصار لتلك المفاهيم، على حساب أفكار"الآخر"دون أن يطلع على أفكار"الآخر"ورؤاه، وكأن ما يحتفظ به من رؤى هي الحق المحض، وإن رؤى"الآخر"هي الباطل المحض؛ لتصبح هذه القراءة"عوراء"غير مستبصرة، ينقصها الشق"الآخر"من الحقيقة
ينبغي أن يكون هدف القارئ الواعي من قراءته استخلاص الرؤى والأفكار الصحيحة فهي الغاية التي يهتدي إليها، صارفا نظره من أين استخرجها، لان الحقيقة والمنفعة هي الضالة التي ينشدها أنى وجدها أخذها، لذا عليه أن يتوخى العلمية والموضوعية، كما يتحتم عليه القراءة النوعية لا الكمية فقط، ولعل هذا ما نسميه بالقراءة الواعية
2 -الكتابة:
وتتعزز هذه المقدرة عند المتعلم بالمران والتدريب والاستمرارية، منذ الوهلة الأولى من تعليمه، وهي من أدوات الحس المهمة والضرورية، إذ تكشف عن قدرات المتعلم في استظهاره لرأيه، وهي تأتي تباعا للقراءة، ولكن في مرحلة متأخرة عنها، فمن لم يحسن أداء القراءة، لن تتأتى إليه الكتابة، وكلما أصبح رصيد المتعلم من القراءة أكثر، أصبحت مقدرته على الكتابة أسهل وأفضل
وتعتبر الكتابة جزءا آخر من المنظومة العلمية والفكرية لعلمائنا الذين أثرت مؤلفاتهم وأغنت المكتبة العالمية من شتى العلوم، كما أن الدين الإسلامي أولى رعاية واهتماما بها، فالقرآن الكريم يعتبر القلم ـ الذي هو أداة الكتابة ـ بوابة رئيسية للعلم، فيقول الله سبحانه وتعالى:"الذي علم بالقلم"، كما جعله موضعا للقسم، وذلك في قوله تعالى"ن، والقلم وما يسطرون".
كما أن الكتابة ساهمت في نقل العلوم من جيل لآخر، لذا أهتم علماء المسلمين بالتدوين في فنونهم وعلومهم، ويصف أبو تمام القلم بأنه أشد من سم الأفاعي، وذلك بقوله:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه واري الجنى اشتارته أيد عواسلِ
وتأسيسا على ما سبق فان الكتابة مسؤولية، ينبغي أن يتوخى فيها الصدق والأمانة، صدق الكلمة، وأمانة العلم، وتدوين الحقيقة ونشرها؛ لأن ذلك من صفات الكتابة الموضوعية الصادقة، كما ينبغي تجنب كل ما يسيء إلى الآخرين وينتقص من حقوقهم؛ لأن ذلك من شأنه أن يبعث الفتنة، ويسهم في الفرقة، ومدعاة للخلاف والشقاق، ومن هنا تتأكد كذلك مسؤولية القارئ الذي يقرأ ما يكتبه البعض عن البعض الآخر، في ضرورة التبين والتثبت، حتى لا يصيب قوما بجهالة فيصبح على ما فعل نادما
3 -الاستماع والمشاهدة:
ويعد الاستماع من أخطر الحواس وأضعفها؛ لأنه يرتبط بتجاذبات خارجية، لتشكل بذلك معارفه"النقلية"؛ وليس بالضرورة أن يكون هذا"الخارج"معتمدا على الصدق، فقد يتعمد الكذب أيضا، ومن هنا وردت أوامر الشريعة لتؤكد على ضرورة التريث فيما نسمعه من الخارج، سواء أكان هذا السماع يرتبط بالمعارف والعلوم، أم كان يرتبط بأحوال الناس وأخبارهم، وضرورة التأكد، وعدم نشر ما نسمعه؛ لأن ذلك من الكذب المحض، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"كفى بالمرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع".
ولأن السمع من أدوات الاستقبال، فهو لا يحمل أي بينة صدق سوى تداعيات الآخرين وتخرصاتهم، إلا إذا شاء المستمع أن يحكم فيها العقل فيتبع أحسن القول، أو يبحث في غمار ذلك عن الحقيقة، وإن كانت بعيدة المنال، كما أن