الصفحة 21 من 53

ومن احتج بكلام الإمام ابن تيمية هذا من أن المسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا، حتى في الشاسع منها؛ فاعتبروا أن من قطع ثلاثمائة كيل مثلًا دون مبيت أو تزود أنه غير مسافر فهو محل نظر وتأمل؛ لأمرين:

الأول: أن ابن تيمية لم يتعرض للمسافات الشاسعة التي يَعتبرها أهل العرف سفرًا حتى وإن رجع من ساعته ويومه؛ كالمائتي كيل ونحوها؛ فالناس لا يكادون يختلفون في اعتباره مسافرًا، ومثال ابن تيمية رحمه الله في كلامه هذا إنما كان بالمسافة القصيرة جدًا.

ومما يؤكد ذلك أنه ذكر هذه القاعدة في مواضع عدة [1] ، ومثَّل لها بمسافات قصيرة، وهي البريد والفرسخ، وبالمسافة بين مكة وعرفة، وبالمسافة بين المدينة وقباء، وبمسير الساعة والساعتين، ولم يذكر مع هذه القاعدة مسافات شاسعة.

الثاني: على تسليم أن ابن تيمية يرى عموم تلك القاعدة لجميع المسافات فإنه إنما يتكلم في تقدير ذلك بصفته من أهل العرف لا بصفته مجتهدًا مستدلًا من الشريعة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن الأعراف قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، هذا من وجه، ومن وجه آخر: قد يختلف أهل العرف أنفسهم في التقدير والحكم، وإن اتحد المكان والزمان والحال.

ويلزم من طرد هذه القاعدة وهي عدم اعتبار المسافة الطويلة في المدة القليلة يلزم من ذلك أن نقول: إن من سافر بالطائرة مسافة ثلاثة آلاف كيل، أو بالسيارة ألف كيل مثلًا، ثم عاد من فوره أنه غير مسافر؛ لأنه يعود من نهاره ولا يبيت، وهذا مخالف للمقطوع به عرفًا.

تنبيه حول كلام لابن تيمية في المسافة:

قول ابن تيمية رحمه الله:"... فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ..." [2] لا يُعتبر معارضًا لاعتبار المسافة العرفية في بعض أحوال السفر.

وذلك لما ظهر خلال كلامه من أن نكيره إنما هو على من جعل ضبط السفر بالمسافة حدًا عامًا يشترك فيه جميع الناس في كل أحوالهم؛ كأن يقال مثلًا: إن من قصد دون أربعة بُرُدٍ فليس بمسافر في جميع الأمكنة والأزمنة والطرق والمراكب.

يوضح ذلك ويجليه حكايتُه ـــ رحمه الله ـــ أقوال بعض الصحابة التي تضمنت تحديدًا بمسافة، وهذا يدل على أنه لا يعترض على اعتبار المسافة مطلقًا، وإنما على جعلها حدًا مشتركًا.

كما أن ابن تيمية يَعتبر المسافة القليلة والمدة الكثيرة في ثبوت وصف السفر العرفي، حيث قال هنا:"فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة"

(1) انظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (19/ 244) و (24/ 38، 42، 48، 119، 135) .

(2) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 134، 135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت