فهرس الكتاب
البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا" [1] ؛ فهل تمكن معرفة المسافات القريبة والبعيدة والمدة الطويلة والقصيرة إلا بتقدير تقريبي؟ وهل يمكن ذلك إلا بالعرف؟."
وقد حكى رحمه الله أقوال بعض الصحابة الذين مثَّلوا للسفر بمسافات ثم قال:"وكلام الصحابة يدل على أنهم لم يجعلوا قطع مسافة محدودة أو زمان محدود يشترك فيه جميع الناس، بل كانوا يجيبون بحسب حال السائل؛ فمن رأوه مسافرًا أثبتوا له حكم السفر، وإلا فلا" [2] .
السبب الرابع: حمل الزاد والمزاد.
وهذا الوصف وإن كان قليلًا في زماننا بسبب انتشار مراكز التسويق على طول الطريق، وفي أماكن النزول، إلا أن أهل العرف يستدلون به مع أوصاف أخرى على تحقق وصف السفر.
قال ابن سيرين:"كانوا يقولون: السفر الذي تُقصَرُ فيه الصلاة الذي يُحْمَل فيه الزاد والمزاد" [3] .
وهذا الوصف من الأوصاف المؤكدة لوجود السفر، ولكنها لا تستقل بنفيه ولا إثباته؛ فقد يُعتبر مسافرًا دون تزود، وقد يُعتبر مقيمًا مع تزوده.
السبب الخامس: الانقطاع والغيبة.
وهي سمة من سمات السفر عند أهل العرف إذا كان سببها بعد الطريق أو وعورته أو غلاء قيمة وسائل النقل أو بطؤها أو اضطراره إلى المبيت هناك ليلةً أو ليالي بسبب تشعب حاجاته أو طول وقت معالجتها حتى مع قرب مقصده كأربعين كِيلًا أو خمسين.
هذا كله مع شرط البروز وقطع أدنى مسافة يعرفها أهل العرف من مسافة السفر.
قال رجل لابن عباس: أقصر إلى الأُبلة؟ قال: تذهب وتجيء في يوم؟ قلت: نعم، قال: لا إلا في يوم متاّح [4] .
وعن ابن عمر قال:"لا تُقصر الصلاة إلا في يوم تام" [5] .
فلعل ابن عمر أراد تأثير الغيبة، ولو أراد المسافة لقال: مسيرة يوم تام، ومما يؤكد إرادة تأثير الغيبة أنه ترخص في مسافات قصيرة تُقطع في نصف نهار؛ فقد صح عنه - رضي الله عنه - أنه قصر الصلاة إلى"ريم" [6] .
(1) المرجع السابق (24/ 135) .
(2) المرجع السابق (24/ 123) وانظر منه (24/ 119) و (19/ 243) .
(3) رواه أبو بكر بن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 446) و"ابن حزم في"المحلى" (5/ 3) ."
(4) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (2/ 333) وقال في"النهاية" (4/ 291) عن معنى متاح: ( .. أي يوم يمتد سيره من أول النهار إلى آخره، ومتح النهار: إذا طال وامتد) .
(5) رواه عبدالرزاق في"المصنف" (2/ 528) ، وابن حزم في"المحلى" (5/ 6) .
(6) رواه عبدالرزاق في"المصنف" (2/ 525) وبين"ريم"والمدينة ثلاثون ميلًا فقط؛ ذكره عبدالرزاق رحمه الله فتكون المسافة خمسين كِيلا تقريبًا.