فهرس الكتاب
وقد تقدم كلام ابن تيمية في أثر المبيت والغيبة في وصف السفر.
واعتبار هذا السبب مع بقية الأسباب هو أصح ما يُوجَّه به قصر أهل مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرفة؛ فلم يكن ترخصهم لأجل النسك، وإنما لكونهم من المسافرين [1] ؛ فإن من يذهب إلى عرفة من أهل مكة ـــ في ذلك الوقت ـــ لغرض ويرجع من ساعته أو يومه لا يُعتبر مسافرًا، ولكنه إذا برز وقطع تلك المسافة وتزود وبات وغاب اعتُبر مسافرًا.
هل التوديع والاستقبال وصفان لازمان للسفر؟
درج الناس في القديم على توديع المسافر واستقباله، ولا زال عمل بعضهم على ذلك إلى الآن، لا سيما مع طول الغيبة؛ فهما مؤكدان لوجود السفر، ولكنهما ليسا لازمين لقيام وصفه. ومثل ذلك حمل الزاد والمزاد، حيث قد يُعتبر المرء مسافرًا دون حملٍ لزاد أو مزاد؛ فهذه الأوصاف وأمثالها لا تُعتبر من شروط السفر؛ لأنه لا يلزم من عدمِها عدمُه.
وذلك بخلاف سبب المسافة مثلًا فإنه يلزم من عدمه عدمُ السفر؛ فلا يكون الشاخص مسافرًا إلا به.
الأسباب العرفية للإقامة
إن حقيقة الإقامة هي: وجود أسباب التعلق بمكان النزول؛ فمتى اكتملت هذه الأسباب أو كثرت أو قويت عُدَّ النازل من المقيمين في ذلك المكان، ومتى عُدمت هذه الأسباب كلها أو قلَّت أو ضعفت ـــ وكان قد أحدث سفرًا ـــ فصاحبها مسافرٌ، أو في حكم المسافرين.
وهذا عرض لأسباب الإقامة عند أهل العرف:
السبب الأول: نية الإقامة المستقرة ومدتها.
إن للنية تأثيرًا كبيرًا في ثبوت وصف الإقامة، أو نفيه:
فقد أجمع العلماء في السفر والإقامة على حالين مبناهما على نية النازل:
الأولى: الاستيطان، وهو نية الإقامة على التأبيد؛ فمن نوى المكث في المكان على التأبيد فهو مقيم بإجماع أهل العلم.
والثانية: التردد كل يوم في السفر والإقامة، وهو حال من يقول: اليوم أخرج .. غدًا أخرج؛ فقد أجمعوا أن مَنْ هذه حاله فهو مسافر.
فالحال الأولى نية ومدة مؤبدة وحال عليا من الطمأنينة والاستقرار، والثانية مدة أيضًا، وهي اليوم الواحد، ونية مترددة، وحال عليا من الاضطراب والتردد.
ويوجد بين هذين الحالين المجمع عليهما أحوال متفاوتة تؤثر في ثبوت الوصف أو نفيه كلها تُبنى على نية النازل، مع حاله أو عمله.
إرادة المدة أول أسباب الإقامة:
(1) انظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (17/ 480) و (19/ 244) و (26/ 170) .