الصفحة 27 من 53

إيراد وجوابه:

قد يقال: لا فرق بين مدد الإقامة في الشريعة؛ فلماذا يُفَرَّقُ بينها؟

فالجواب هو أنه قد ترجح في هذا البحث أن سبيل ضبط هذه المسألة هو العرف؛ فيكون التفريق بين أحوال الإقامة راجع إلى أهله؛ فلم يُنسب هذا التفريق إلى الشريعة، ونظائر اعتبار المدد والمسافات في فقهها كثير:

ففي المدد: طول الفصل بين أعضاء الوضوء، وطول الفصل بين الصلاة وما نُسي منها، ومقدار خطبة الجمعة، وعدد مرات تعريف اللقطة في الحول، وقدر ما بين المرة والتي تليها، وكذلك التراخي في الجمع بين الصلاتين، والتراخي في الشفعة عند من يقول بشرطية الفور فيهما.

وفي المسافات: مسافة السفر، وما يُعتبر به الصف متصلًا بالآخَر، وما يُعتبر به المرء مصليًا إلى القبر، وقدر ما بين المصلي وسترته، وما يُعتبر به تفرق البيِّعين مسقطًا لخيار المجلس في الصحاري. وقد تقدمت هذه الأمثلة العرفية وغيرها.

ويقال لمن يعتبر العرف في ثبوت السفر: إن كل إيراد على الإقامة العرفية لإبطال تأثيرها في حكم الرخصة وارد على السفر العرفي ولا فرق:

فالاعتراض على سببي المكان والمسكن في الإقامة يُعترض بمثله على اشتراط البروز ومفارقة العمران في السفر.

والاعتراض على المدة في الإقامة يُعترض بمثله على المسافة في السفر.

وتأمل هذا في شخصين كل منهما قد برز عن بنيان بلده وفارق ما يُنسب إليه ثم رجعا إليه من نهارهما بلا تزود، وقد سارا على طريق واحدة ووسيلتي نقل متماثلتين، ولكن أحدهما قطع ألف كيل والآخر عشرين كيلًا؛ فالأول ـــ عند الناس ـــ مسافر، والثاني عندهم مقيم؛ فلا فرق بين حاليهما إلا المسافة.

والمدة في الإقامة لا تَخْرُجُ عن هذا المسرب؛ فإذا نزل اثنان سكنَ مثليهما، وأراد أحدهما النزول خمسة عشر يومًا بنية مستقرة لم يكن عند الناس مقيمًا بمجرد نزوله هذه المدة، بل يعتبرونه مسافرًا، ولو أراد الآخر سنتين مثلًا بنية مستقرة اعتبروه مقيمًا.

ولو قالوا بأن السفر العرفي هو مجموع أسباب لا تُجعل فيها المسافة حدًا مشتركًا لجميع الأحوال! يقال: والإقامة العرفية هي أيضًا مجموع أسباب لا تُجعل فيها المدة حدًا مشتركًا لجميع الأحوال.

إيراد آخر وجوابه:

لو قيل: لا نجد فرقًا بين من نزل بلدًا لعلاج أو زيارة أو سؤال أو تجارة في مدة يسيرة ـــ ممن اُعتبر هنا مسافرًا ـــ وبين من نزل البلد للدراسة، إذْ كلٌ من الفريقين ينتظر انتهاء مهمته، ولو حصل لكل منهما الرجوع إلى بلده فورًا لفعل؛ فيكون حكم الحالين واحدًا، وهو مشروعية الترخص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت