فهرس الكتاب
فالجواب أن يقال: لو كان تعليق السفر بتنجيز الحاجة هو علة الرخصة لاعتُبر هؤلاء المغتربون من المسافرين بلا ريب، بيد أن هذا الوصف ـــ كما تقدم ـــ لا يصلح أن يكون سببًا للرخصة، وإنما سببها الصحيح هو وجود السفر العرفي، أو ما يُلحق به من أحوال الاضطراب وسبب العزيمة هو وجود الإقامة العرفية بحدودها المعلومة عند الناس.
فمن أقام في مدة قليلة ـــ أو في مدة كثيرة ولكنه يتوقع قضاء حاجته كل وقت في مدة قليلة ــ فليس مقيمًا عند الناس؛ لاضطراب حاله؛ فهو باق على حكم سفره، بخلاف من غلب على ظنه طول المكث في مكان المثل وسكنه بنية مستقرة؛ فهو عندهم مقيم.
فسبب التفريق بين الحالين ـــ إذًا ـــ هو رأي الناس العرفي فقط.
السبب الثاني: صلاحية المكان للإقامة.
فالإقامة لا تكون إلا في مكانها المعتبر المعتاد، وإلا فالنازل مضطرب منزعج؛ فالمكان المعتاد للحضر ـــ مثلًا ـــ هو القرى والمدن، ومتى ما تحول هذا الحضري عن عادته في مكان الإقامة لم يره الناس مقيمًا.
وإذا كنا لا نتصور ابتداء السفر إلا في المكان المعتبر وهو الصحاري والفضاء فإن الإقامة لا تُتصور أيضًا إلا في مكانها المعتاد، وهو المدن والقرى لأهلها.
فمن نزل مكانًا غير صالح للإقامة عادةً فهو مسافر مهما طال مكثه؛ وذلك لأن المدة ليست معيار الإقامة الوحيد.
والذي يعوِّل على المدة في إثبات الإقامة دون اعتبارات أخرى هو كالذي يعول على غرس الفسائل في إثبات الإحياء العرفي دون أن يشترط صلاحية الأرض أو مناسبة الهواء لغرس مثل هذا الشجر؛ فإن الناس لا يَعتبرون مثل هذا محييًا؛ لأن هذه الفسائل لا تثمر في الحالين.
والإقامة بمعناها العرفي لا تخرج عن هذه الحدود والاعتبارات.
وعلى اشتراط صلاحية المكان لصحة الإقامة قولُ كثير من أهل العلم:
فقد ذكر الكاساني شروط الإقامة المعتبرة عند أبي حنيفة وعدَّ منها المكان الصالح للإقامة، ثم قال:"فهو موضع اللبث والقرار في العادة نحو الأمصار والقرى، وأما المفازة والجزيرة والسفينة فليست موضع الإقامة، حتى لو نوى الإقامة في هذه المواضع خمسة عشر يومًا لا يصير مقيمًا ..." [1] .
وقال ابن الهمام:"... أما من ليس من أهل البادية ـــ بل هو مسافر ـــ فلا يصير مقيمًا بنية الإقامة في مرعى أو جزيرة" [2] .
(1) "بدائع الصنائع"للكاساني (1/ 97) .
(2) "شرح فتح القدير"لابن الهمام (2/ 38) .