فهرس الكتاب
وهذا هو أحد قولي الشافعي، واختاره الغزالي؛ فقد عدَّ من شروط جريان حكم المدة عند الشافعية المكانَ الذي تُتصور فيه الإقامة، ثم قال:"... فإن كان لا يُتصور فالأصح أنه يترخص؛ لأن العزم فاسد" [1] .
وكذلك الأمر في مذهب أحمد؛ فقد قال في"المبدع":"... إذا نوى الإقامة بموضع يتعذر فيه الإقامة كالبرية لا يقصر؛ لأنه نوى الإقامة، والمذهب: بلى؛ لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية فلغت ..." [2] .
وقال:"يشترط في الإقامة التي تقطع السفر ـــ إذا نواها ـــ الإمكان، بأن يكون موضع لبث وقرار في العادة" [3] .
بل جاء في الرواية الثانية عن أحمد أنه لا يلزم المرء ترك الرخصة إلا في بلد تُقام فيه الجمعة [4] .
وهو قول مالك في دار الحرب للعسكر؛ فلا يجري فيها عنده حكم المدة [5] .
والمكان وإن كان وطَنًا فلا تأثير له عند بعض أهل العلم إذا مرَّ به صاحبه عابرًا؛ كما جاء ذلك في الرواية الثانية عن أحمد [6] .
السبب الثالث: المسكن.
فالمسكن سبب من أسباب التعلق بمكان النزول، سواء كان ذلك بشرائه أو استئجاره، بيد أنه لا يستقل بإثبات الإقامة.
والناس يختلفون في المسكن بداوةً وتحضرًا وغنىً وفقرًا؛ فالبدوي يسكن عادةً خيامَ الشعر، في بطون الأودية ومنابت الكلأ ويحتمل شعث ذلك وجَهْده؛ فهي مكان وسكن مثله، ولغيره قد تُعتبر مكان وسكن مسافر.
وقد ذكر الكاساني أن بعض العلماء يقول في الأعراب الذين يسكنون بيوت الشعر بأنهم لا يكونون مقيمين أبدًا؛ لأنهم في مفازة، وهي ليست موضع الإقامة عادة، هكذا حكاه عنهم، ثم عَقَّبَ على ذلك بقوله:"والأصح أنهم مقيمون؛ لأن عادتهم الإقامة في المفاوز دون الأمصار والقرى"اهـ [7] .
ووجود الدور والعقارات مملوكة أو مستأجرة في بلد ليست دليل الإقامة مطلقًا، بل لا بد من أوصاف وأحوال أخرى؛ كالمدة، أو إقامة زوجة فيها؛ فبعض الأثرياء
(1) "الوسيط"للغزالي (2/ 246) وانظر"المجموع شرح المهذب"للنووي (4/ 361) .
(2) "المبدع في شرح المقنع"لابن مفلح (2/ 114) .
(3) "النكت على المحرر"لابن مفلح (1/ 132) .
(4) انظر"الإنصاف" (2/ 330) .
(5) انظر"المدونة" (1/ 209) .
(6) انظر"الإنصاف" (2/ 331) .
(7) "بدائع الصنائع"للكاساني (1/ 97، 99) .