فهرس الكتاب
يوجد له في كل حاضرة أو مدينة كبيرة بيت أو قصر؛ فلا يُعتبر عند الناس مقيمًا إذا نزلها في إجازة أو نحوها مدةً يسيرة.
قال الإمام الشافعي:"قد قصر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معه عام الفتح وفي حجة أبي بكر - رضي الله عنه - ولعدد منهم بمكة دار أو أكثر وقرابات"اهـ [1] .
وفي انقطاع السفر بوجود الدور قولان في مذهب أبي حنيفة [2] .
ووجود الدار قد يكون هو المؤثر في ثبوت وصف الإقامة إذا لم يكن له مأوى سواه، وإن كان لا ينزله إلا أيامًا معدودة في السنة؛ كربابنة السفن وسائقي الشاحنات وأمثالهم؛ وذلك لأن هذه هي دور إقامتهم [3] .
السبب الرابع: التأهل.
والإتمام بالتأهل هو قول الجمهور [4] . وله عند أهل العرف أحوال:
فإذا وُجِدَ مكان المثل وسكنه وله فيه زوجة مقيمة فلا اعتبار للمدة مطلقًا؛ فمهما نزل هذا البلد فهو مقيم، وإن كان نزوله ساعات.
فقد ظهر هنا أثر التأهل، وهو إلغاء تأثير المدة.
ويسقط عند أهل العرف تأثير التأهل إذا كانت الزوجة تقيم وتظعن مع زوجها؛ وذلك لأنه يتبعها في حكم الإقامة إذا كانت مقيمة؛ فإذا كانت هي مسافرةً انقطع تأثيرها في حال زوجها.
قال ابن القيم:"... والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت له حكم الإقامة بمجرد التزوج، ما لم يزمع الإقامة وقطع السفر" [5] .
كما أن التأهل لا يُعتبر مؤثرًا إذا كان لا يأوي إلى بيت الزوجية المعتاد؛ كأن يكون نزوله عند والدها مدة يسيرة، وله مكان إقامة آخر.
وقد سأل ابنُ القاسم مالكًا رحمه الله عن:"... الرجل المسافر يمر بقرية من قراه في سفر، وهو لا يريد أن يقيم بقريته تلك إلا يومه وليلته، وفيها عبيده وبقره وجواريه، وليس له بها أهل ولا ولد؟ قال: يقصر الصلاة، إلا أن يكون .. فيها أهله وولده؛ فإن كان فيها أهله وولده أتم الصلاة. قلت: أرأيت إن كانت هذه القرية التي فيها أهله وولده مر بها في سفره، وقد هلك أهله وبقي فيها ولده أيتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر" [6] .
ومَنْ كان عزبًا لا زوجة له، ولم ينو القرار في مكان فدار إقامته هي مكان إقامة والديه [7] ؛ كما هي عادة أكثر العُزَّاب.
وإذا نزل المسافر في دار أبيه أو ابنه فلا يُعتبر مقيمًا بمجرد ذلك [8] .
(1) "السنن الكبرى"للبيهقي (3/ 153) .
(2) انظر"حاشية رد المحتار"لابن عابدين (2/ 131) .
(3) وانظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (25/ 213) .
(4) انظر"المدونة" (1/ 120) و"المبدع" (2/ 115) و"حاشية رد المحتار" (2/ 132) .
(5) "الصواعق المرسلة"لابن القيم (1/ 187) .
(6) "المدونة" (1/ 207، 208) .
(7) انظر"حاشية رد المحتار"لابن عابدين (2/ 131) .
(8) انظر"السنن الكبرى"للبيهقي (3/ 153) و"إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل"للزريراني الحنبلي (1/ 192، 193) و"حاشية رد المحتار"لابن عابدين (2/ 131، 132) .