الصفحة 39 من 53

ومن هذه الأخبار المشكلة: ترخص بعض الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - في حال الحرب؛ كأثر أنس - رضي الله عنه - في ترخصه في نيسابور، وفي رامَهُرْمُز، وابن عمر - رضي الله عنه - في أذربيجان، وعبدالرحمن بن سمرة - رضي الله عنه - في كابل، وسعد بن مالك - رضي الله عنه - في عمَّان، وأبي جمرة في خراسان.

فهذه غزوات الصحابة، وتلك مواطئ أقدامهم مجاهدين فاتحين.

فأحوال الحرب هذه ليست ظرفًا للإقامة المعتبرة عرفًا، والمجاهدون فيها بين خوفٍ، أو حصارٍ عسكري، أو فتحٍ للبلدان، أو تجهيزٍ للجيوش، أو انتظارٍ للسرايا، أو نزولٍ في مدن الثغور لترقُبِ مددٍ أو إذنٍ بقتال.

وهذه الأحوال لا يُحْضِرُ المجاهدون معهم فيها أهلًا ولا مالًا، ولا يتخذون منزلًا ولا مستقرًا؛ فمن ذا يقول: إن حقيقة شرعيةً أو لغوية أو عرفية تقضي أن مثل هذه الحال إقامة؟

وقد يُخَرَّج ترخصهم في تلك الأحوال على القاعدة التي ذكرها الحنفية والمالكية، وهي أن النزول في دار الحرب للعسكر لا يُعتبر إقامة، وإن جاوزت المدة المعتبرة في المذهبين، وهذه الغزوات لم تكن إلا في دار حرب.

ثم إن النزول في أكثر هذه الأحوال لا يتوجه إلى مدد طويلة غالبًا؛ فالمجاهدون وإن كانوا عادة ينتظرون المدد أو الإذن بالقتال أو ذوبان الثلج أو فك الحصار، ونحو ذلك من أحوال الجهاد إلا أن هذه الأحوال لا تخلو من ترقب لزوالها في وقت يسير عرفًا؛ كعشرين يومًا أو ثلاثين أو أربعين؛ كما أن المجاهد لا يخلو أيضًا من تلمس أنواع الحيل والمخارج من مثل هذه الأحوال، وطلب هذه المخارج لا يجعل قصده للمدة عند النزول يتوجه إلى وقت طويل، ولكن قد لا تفلح حيلته فيسعى لأخرى، وهكذا حتى يتمادى به الأمر إلى مثل هذه المدة الطويلة؛ كما أن كل فرد من المجاهدين في حال تأهب أن يُرْسَل في سرية استطلاع أو مدد أو حراسة أو بريد؛ فليست هذه حال المقيم المطمئن، بل هي حال المسافر المضطرب.

فمادام أن هذه هي أحوال الجهاد فلم يتحقق قصد هذه المدد الطويلة، وغاية ما في الأمر أن الصحابة أخبروا ـــ بعد قفولهم ـــ أنهم مكثوها؛ فلا تعتبر هذه الأخبارُ معارضةً للتعليل بالوصف العرفي.

وحتى لو أثبت مثبتٌ في بعض الأخبار أنهم قصدوا المدة الطويلة عرفًا فلا بد من تحقق بقية أوصاف الإقامة؛ كصلاحية المكان والمسكن عادة.

ومن هذه الأخبار: نزوله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع؛ فقد دلت الأحوال أن إقامته ليست إقامة عرفية؛ فلم يكن له بيتٌ يعرفه الناس؛ كالذي يُعرف عن المقيم، ولو سألت الناس: هل هو مقيم بمكة؟ أو أنها صارت دار إقامة له؟ لكان الجواب بالنفي.

وحين سأله أسامة بن زيد - رضي الله عنهم - قائلا: أتنزل في دارك بمكة؟ قال:"وهل ترك عقيل من رباع أو دور"؟ [1] .

(1) رواه البخاري في"صحيحة" (3/ 450 فتح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت