الصفحة 38 من 53

وذلك إذا نزل المسافر لحاجة، وكان يحتمل قضاء حاجته قبل المدة؛ فاعتبروه في حكم السفر؛ كما تقدم بيانه.

وهذا الاضطراب يكثر جدًا في أحوال نزول المسافرين قديمًا وحديثًا، ومَنْ هذه حاله فهو مسافر، أو هو مستصحب لحكم السفر.

ومن أمثلة الاضطراب هذه حالُ الجهاد، حيث لا توجد نية مستقرة عند المجاهدين للإقامة، سواء كان ذلك في الطريق أو في مكان المعركة؛ فلا يُعتبر النازل في هذه الحال مقيمًا عند الناس، مهما طال مكثه، وعلى ذلك مذاهبُ كثير من أهل العلم؛ كما تقدم بيانه.

ومن أهمل هذه الحال الثانية أشكلت عليه تلك الأخبار؛ لظنه أن الصحابة الذين جاء عنهم الترخص قد نووا هذه المدد الطويلة عند نزولهم، وأنهم في حال من الطمأنينة والاستقرار؛ فبنى على هذا الظن أنهم مستقرون كاستقرار المقيمين؛ فرأى أنها تصلح دليلًا لقول من اعتبر الاستيطان حدًا، أو لقول من جعل الحد إرادة الوقت أو إنجاز الغرض.

بيد أن النازلين في هذه الأخبار كانوا في اضطراب وتردد وانزعاج؛ فلم تحصل لهم الإقامة في أبرز سماتها عند أهل العلم، وكذلك عند الناس.

والحال الثالثة: قِصَر مدة النزول في بعض هذه الأخبار؛ كأربعة أيام وتسعة عشر، مما لا يُعتبر معها النازل مقيمًا عرفًا، ولو بنية مستقرة.

والحال الرابعة: عدم وجود مسكن المثل والإقامة لا تُتَصور إلا به؛ فمن نزل بلدًا ولم يتخذ مسكنه المعتبر عادة فإن الناس لا يسمونه مقيمًا.

والحال الخامسة: أخبار لم يوجد فيها ما يُثْبِتُ وصف الإقامة العرفي، ولا ما ينفيه، والأصل في هذه الحال هو بقاء السفر أو بقاءُ حكمِه حتى تَثْبُتَ الإقامة بأسبابها العُرفية، وهذه قاعدة مهمة لفهم مثل هذا النوع من الأخبار.

وهذا عرض للأخبار التي وقع فيها الترخص:

فمن ذلك: نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك عشرين يومًا، وفي مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا؛ فقد كان نزوله في مدة يسيرة بلا نية مستقرة؛ كما أنه كان في حال حرب، ولم يوجد في هذه الحال مسكن المثل.

قال الإمام ابن تيمية:"... وقد أقام المهاجرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح قريبًا من عشرين يومًا بمكة، ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر" [1] .

وقال ابن القيم عن إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك:"... وهذه الإقامة في حال السفر لا تَخْرُجُ عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت، إذا كان غير مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع" [2] .

(1) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 139) .

(2) "زاد المعاد"لابن القيم (3/ 561) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت