فهرس الكتاب
قال الحموي الحنفي:"... مقتضى قولهم الأصل بقاء ما كان على ما كان ... أن يستمر حكم السفر مع الشك في الوصول إلى بلده ..." [1] .
وهذا المخرج ـــ وهو استصحاب حال السفر وأحكامه عند الشك في حصول الإقامة ـــ هو أرجح القولين، وهو وجه عند الشافعية، ذكر ذلك النووي، وعلَّل هذا الوجه بقوله:"... لأنه شاك في زوال سبب الرخصة، والأصل عدمه"اهـ [2] .
ويدل على صحة قاعدته قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء في الصحيحين لمن شك في الحدث:"لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". فلم يجعل الشك مؤثرًا في حكم الطهارة السابقة. وهذا الحديث هو أصل قاعدة اطراح الشك العارض، واستصحاب حكم الحال السابقة.
لذلك لم يأمر الله عز وجل بإتمام الصلاة إلا بعد حصول الإقامة؛ فقال جل شأنه:"وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِنَ الصَّلاةِ"ثم قال:"فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيْمُوا الصَّلاةَ"الآية.
فإذا نزل المسافرُ في غير مكان المثل، أو دون سكن، أو في مدة قصيرة، أو طويلة بلا نية مستقرة فلا يُعدُّ مقيمًا؛ فهو إذًا باق على حكم سفره.
والاحتياط في مسائل الشك هو من تمام الديانة؛ فإذا تردد المرء هل يُعتبر مقيمًا أو مسافرًا؟ فالأحوط له هو عدم الترخص بقصر ولا فطر. هذا الاحتياط إنما هو في مسائل الشك التي يتساوى فيه حالا السفر والإقامة، أما الشك اليسير المعارض ليقين أو غلبة ظن فلا تعويل عليه [3] .
فقه ما جاء في بعض الأخبار من الترخص مددًا طويلة:
تقدم في عرض الأقوال ذكر بعض الأخبار التي ترخص فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة برخص السفر مددًا طويلة، وقد كانت من أقوى أسباب خلاف العلماء في هذه المسألة، وبمعرفة فقهها لن يبقى فيها إشكال إن شاء الله.
فعند تأمل هذه الأخبار تجد أنها لا تخرج عن أحوال خمس كلها تُعتبر من السفر أو ملحقة به حكمًا؛ لعدم تحقق الإقامة بوصفها العرفي:
الحال الأولى: عدم صلاحية المكان للإقامة عادةً، والإقامة عند أهل العرف ـــ مهما كانت مدتها ـــ لا تصح إلا في مكانها المعتبر، وعلى هذا الحكم العرفي قولُ أبي حنيفة والقول الآخر لكل من الشافعي وأحمد.
والحال الثانية: عدم وجود نية الإقامة المستقرة التي لا اضطراب فيها ولا تردد. ونية الإقامة المستقرة شرط معتبر عند العلماء لحصول الإقامة؛ لذلك حكم الحنفية والحنابلة في الرواية الثانية عن أحمد بعدم تأثير إرادة مدة الإقامة في المذهبين ولو نوى إقامتها؛
(1) "غمز عيون البصائر"للحموي (1/ 238) .
(2) "المجموع شرح المهذب"للنووي (1/ 212) .
(3) وانظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (23/ 7 ـــ 16) .