الصفحة 36 من 53

الأولى: حال عليا في ثبوت وصف الإقامة، يتفق أهل العرف أو أكثرهم على وجود هذا الوصف؛ كحال المستوطنين، والمقيمين من أجل وظائفهم أو دراستهم في مكان المثل وسكنه ومدته الطويلة بنية مستقرة.

والثانية: حال عليا في انتفائه، يتفق أهل العرف أو أكثرهم على نفي وصف الإقامة؛ كنزول المسافر يومين أو ثلاثة لعلاجٍ أو إنجاز معاملة.

والثالثة: حال مشكلة بسبب تجاذب وصفي السفر والإقامة؛ كذهاب المرء منتدبًا فترة شهرين مثلًا، وقد سكن شقة مفروشة بعقد شهري أو بمدة مكثه المذكورة، دون تأهل؛ فهذه تتنازعها الحالان، وقد تثير عند الناس حيرة وترددًا.

فهذه أحوال ثلاث لا رابع لها؛ فيقال عنها: إن ما حكم أهل العرف بإثباته أو نفيه أخذنا فيها بحكمهم نفيًا أو إثباتًا، وبنينا عليه حكم الرخصة أو العزيمة؛ فهذا حكم الحالين الأُوْلَيَيْن.

وأما الحال الثالثة، وهي المشكلة فلها مخرجان فقهيان:

المخرج الأول: استصحاب الأصل الأول، وهو انشغال ذمة العبد بالصلاة تامة ووجوب الصوم في نهار رمضان؛ فمادام شاكًا فعليه إبراء ذمته من ذلك؛ فيُمنع من الترخص في حال وجود الشك.

المخرج الثاني: أن يستصحب الحال الأخيرة من سفر أو إقامة؛ فإن كان مقيمًا وحصل التردد في وصف السفر بنى على أصل الإقامة. وذلك كمن كان في دار إقامته وخرج على سيارة لزيارة قريب له في قرية مجاورة تبعد أربعين كِيلًا في طريق معبد دون حمل زاد أو مزاد، وكون ذهابه ورجوعه في يوم واحد؛ فتردد هل يُعتبر مسافرًا أو لا؟

فهذا وإن كان شاخصًا مفارقًا لبلده فيما لا يشبه هيئة المقيمين إلا أن قِصَرَ المسافة وقلة الوقت منعت قيام وصف السفر؛ فلذلك يَعتبرُ نفسه مقيمًا استصحابًا لحكم الحال السابقة؛ فهذا مقيم حكمًا [1] .

وأما استصحاب أصل السفر فكمن سافر مسافة تزيد على ألف كيل من الدمام إلى مكة مثلًا؛ فهذا مسافر قطعًا، ولكن أشكل عليه نزوله في مكة مدة شهر في فندق هل يُعتبر إقامة أو لا؟ ومثل ذلك حضري نزل ثلاثة أشهر في صحراء من الأرض، أو في مدينة، ولكن في غير سكن معلوم.

فهذا وأمثاله وإن كانت حاله لا تشابه هيئة المسافرين بتركه النقلة ـــ التي هي أبرز أوصاف السفر ـــ إلا أن الناس لا يسمونه مقيمًا أيضًا؛ وذلك لعدم اكتمال الأسباب التي يقوم بها وصف الإقامة؛ فهو إذًا مستصحبٌ لحكم حاله السابقة وهي السفر؛ فهذا مسافر حكمًا.

(1) وانظر"المغني"لابن قدامة (3/ 110) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت