فهرس الكتاب
فالجواب: أنه ينبغي في ذلك مراعاة معنى لفظ الإقامة عند إفراده أو ذكره مع غيره؛ وذلك لأن اصطلاحات الاستيطان والإقامة والنزول من الألفاظ التي قد تختلف معانيها عند الجمع والتفريق؛ فقد يُعَبَّر ببعضها عن الآخر عند إفراد كل لفظ، ولكن عند جمعها يصبح لكل واحد منها حده الخاص به، والفرق بينها يظهر عند مقارنة لفظ النزول بلفظ الإقامة في شيء من الأمثلة؛ فإذا كان سؤالك لأهل العرف عن حال معينة بقولك: هل هو مقيم أو نازل وجدت جوابًا لسؤالك، ورأيتهم ـــ حينئذ ـــ يفرقون بين الحالين، ولكنك حين تسأل عن كل واحد من اللفظين منفردًا فقد يُعَبَّر بأحدهما عن الآخر، وتأمل هذا فيما يقوله أهل العرف عن ثلاثة أشخاص:
الأول: متأهل في بيت مستأجر يزمع البقاء سنتين من أجل عمله أو دراسته مثلًا بنية مستقرة وحال مطمئنة.
والثاني: متأهل في بيت مستأجر أو مملوك لا يرغب ترك بلده إلا بإكراه ونحوه.
والثالث: من نزل مدينة للإشراف على تجاراته مدة شهر مثلًا دون تأهل أو سكن معلوم.
فهم يسمون الأول مقيمًا والثاني مستوطنًا والثالث نازلًا، ولا يقبلون عند جمع هذه المصطلحات أن يُبدل شيء منها بالآخر.
4.أن أكثر المسائل العرفية في السفر والإقامة ظاهرة جلية:
إن أغلب أحوال الناس في الإقامة واضحة بينة بالنظر الظاهر عند أهل العرف لا تحتاج إلى حفظ مثل هذه الأسباب؛ وذلك كحال المستوطنين في بلدانهم، وحال المغتربين مدة طويلة من الموظفين والمدرسين والطلبة؛ فبمجرد نظرة عجلى لهؤلاء يعطيهم الناظر حكم الإقامة دون تردد، ودون تكلف التعرف على أسباب الإقامة المذكورة هنا.
ومثل أحوال الإقامة في الوضوح أكثر أحوال السفر، حيث إن حال الشخوص أثناء الطريق ظاهرة بينة؛ كما أن أحوال النزول التابعة للسفر واضحة كذلك.
ولكن يبقى بين الحالين مسائل قليلة مشكلة نسبة إلى سائر أحوال الناس وأوقاتهم؛ فكانت هذه الأسباب المذكورة في هذا البحث محاولة لضبط هذا القليل المشكل فقط.
وقد جعلت هذا تنبيهًا حتى لا يقول قائل: إن عامة الناس لا يستطيعون تطبيق بعض هذه الأسباب؛ فكيف يُناط بها تكليف؟
فيقال له: إن هذا غير صحيح؛ لأن غالب هذه المسائل واقع تحت مدارك الناس وقدرتهم.
5.العمل عند المسائل العرفية المشكلة:
لا تخلو الإقامة العرفية من أحوال ثلاث: