فهرس الكتاب
ومما يؤكد احتمال اضطراب حاله أن عمله هذا لم يكن باختياره، حيث أكرهه عليه واليه زياد [1] ؛ فلعله كان ينتظر أمر إعفائه من عمله مع كل مسافر أو بريد؛ فلم يتخذ لأجل ذلك أسباب الإقامة المعتادة؛ فتكون نيته في المكث مضطربة مترددة، حتى اجتمعت له هذه المدة؛ فإذا كانت هذه حاله في الاضطراب فإن الناس لا يعتبرونه مقيمًا.
وأما التأهل: فإن الذهبي ذكر ما يدل على عدم تأهله فقد أسند إلى أبي الضحى قال: غاب مسروقُ عاملًا على السلسلة سنتين، ثم قدم فنظر أهلُه في خرجه فأصابوا فأسا؛ فقالوا: غبت ثم جئتنا بفأس بلا عود! قال: إنا لله! استعرناها نسينا نردها [2] . وهذا يدل على عدم تأهله هناك.
وفي هذا الخبر أيضًا ما يدل على زهده وتخففه وتعففه في ولايته رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وأما المسكن: فالغالب في حال من نزل مكانًا غير صالح للإقامة أنه لا يتخذ سكن المثل؛ كبيوت الحجر والمدر، وإنما يسكن القباب أو الخيام.
فمَنْ لم يُردِ الإقامة مدة طويلة بنية مستقرة ولم يتخذ مكان المثل ولا سكنه متأهلًا فلا يُعتبر عند الناس مقيمًا، ولا عند كثير من أهل العلم.
ومِنْ هذه الأخبار ما لم يتحقق فيها وجود وصف الإقامة، والأصول تقضي في هذه الحال ببقاء وصف السفر، حتى يُثْبِتَ المخالف وجود أسباب الإقامة المعلومة عند الناس.
ومِنْ أمثلة هذه الحال ما جاء عن أبي المنهال الذي قال لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشد على سير؟ فقال: صل ركعتين!
فليس فيه ما يدل على حال أبي المنهال، وهل هو متلبس بوصف الإقامة العرفي أو لا؟ فقد يكون من التجار الذين ينزلون البلد لبيع بضاعتهم، وشراء بضاعة المدينة لنقلها إلى بلده؛ كحال كثير من التجار في القديم والحديث، حيث إن بعضهم يقصد بلدًا بعيدًا للتجارة؛ فينزله لبيع بضاعته أو انتظار بضاعة قادمة، وهو يتوقع الخروج كل عشرة أيام أو عشرين أو ثلاثين، ولكن قد لا يحصل له مقصوده في مثل هذا الوقت القريب؛ فيتمادى به الأمر إلى مدة مثلها حتى تجتمع له مدة كثيرة، دون أن يتأهل أو يتخذ سكن المثل ومتاعه؛ لأنه يرجو الخروج كل حين في حال من الاضطراب؛ فمن كانت هذه حاله لا يعتبره الناس مقيمًا.
وتأمل هذا في عبارته في سؤاله:"لا أشد على سير"؛ فمَنْ يقول هذا لا يُتصور مِن حاله أنه مقيم في بيت مملوك أو مستأجر في بعض أحياء المدينة ينوي المكث فيه سنين؛ فلو كان على هذه الحال المطمئنة لم يحتج أن يقول هذه العبارة، وإنما حاله حالُ
(1) انظر"تاريخ واسط"لأسلم بن سهل (1/ 37) و"مجموع الفتاوى"لابن تيمية" (24/ 18) و"أحكام أهل الذمة"لابن القيم (1/ 336) ."
(2) انظر"سير أعلام النبلاء"للذهبي (4/ 66) .