فهرس الكتاب
مضطرب متردد؛ فربما كان لا يأوي إلى سكن معتاد؛ فرخص له ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه رآه غير مقيم.
ولعل حال أبي المنهال هذه كحال مورِّق حين سأل ابن عمر فقال: إني تاجر أتنقل في قرى الأهواز؛ فأقيم في القرية الشهر وأكثر، قال: تنوي الإقامة؟ قلت: لا، قال: لا أراك إلا مسافرًا، صل صلاة مسافر! [1] .
وليس لأحد أن يقول: ما الدليل على وجود هذا التردد والاضطراب في مثل هذه الأحوال، ليس له ذلك لأن الدليل إنما يُطلب ممن يدعي وجود الطمأنينة المعتادة؛ وذلك لأن الأصل هو بقاء السفر، بل إن الظاهر من أحوال المجاهدين وأصحاب الأعمال الطارئة هو عدم وجود أسباب الاستقرار والطمأنينة التي يصير بها المسافر مقيمًا.
وإذا نظرت في أحوال المغتربين من الطلبة والموظفين لم ترَ أنهم قد تلبسوا بشيء من أسباب بقاء السفر المذكورة في هذه الأخبار.
تحرير كلام بعض أهل العلم في هذه المسألة:
اُشتُهِر عند بعض طلبة العلم أن قول ابن تيمية وابن القيم وغيرهما في هذه المسألة هو أن علة الترخص هي إرادة النازل وقتًا محددًا أو إنجاز غرضٍ معين؛ كالقول الخامس، وفي هذا المبحث أذكر ما وقفت عليه من أقوالهم:
كلام ابن تيمية [2] :
لم يظهر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ـــ فيما وقفت عليه من كلامه ـــ قد قال بهذا القول، حيث لم يقرر ذلك في تخريج المناط ولا في تحقيقه:
ففي الاستنباط وتخريج المناط: لم يقل: إن علة الترخص هي كون إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيدة بعمل ينتهي أو زمن ينتهي، بل كان مدار كلامه على تحقق مطلق الوصف سفرًا أو إقامة؛ كما سيأتي ذلك قريبًا.
وفي تحقيق المناط: فإنه لم يقل أيضًا بالنص أو المعنى: إن المغترب وأمثاله لهم الترخص برخص السفر، وإن نزل أحدهم في دار غربته إقامة عرفية، ولم أَرَ بعد طول بحث وسؤالٍ لأهل العلم أنه أفتى بذلك أو مثَّل له.
بل ظهر في فتاواه أنه لا يرى الترخص لمن يقيد إقامته بنهاية وقت أو غرض، حيث أفتى أهل البادية؛ كأعراب العرب والأكراد والترك وغيرهم الذين يُشتُّون في مكان ويُصيِّفون في مكان أنهم لا يترخصون في مشتاهم ومصيفهم، وإنما لهم أن يترخصوا في حال السفر بينهما فقط [3] .
(1) ذكره ابن مفلح في"الفروع" (2/ 56) وقال: رواه الأثرم، وانظر"المغني" (2/ 68) .
(2) انظر"مجموع الفتاوى" (19/ 243) و (24/ 8) فما بعدها إلى صحيفة (162) و (25/ 209) .
(3) انظر المرجع السابق (25/ 213) .