الصفحة 43 من 53

فهؤلاء ينزلون المكان بنية مغادرته بعد مدة معلومة هي ستة أشهر تقريبًا، ولم ير أن لهم الترخص.

كما أفتى ملاح السفينة بعدم الترخص إذا كان معه امرأته وجميع مصالحه [1] ، رغم أنه يضرب البحر بنية العودة إلى وطنه بعد فصل أو فصلين أو سنة أو أكثر من ذلك بقليل أو كثير.

ومن المعلوم أن الملاحين والرعاة أحوج إلى الرخصة من الطلبة المغتربين وأمثالهم من العمال والموظفين؛ وذلك لكثرة تنقلهم واضطراب حالهم.

تحرير قول ابن تيمية في المسألة:

وقد ظهر من كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله أنه يرى أن تحقق الوصف العرفي للإقامة قاطع للسفر ورخصه؛ وذلك من وجوه:

الوجه الأول: اعتباره للاسم المطلق للإقامة:

فقد ساق اسم الإقامة في كلامه عن قاعدة الأسماء المطلقة التي سبيلها العرف عنده؛ كالخفاف التي يُمسح عليها وحقيقة الماء الذي يُرفع به الحدث، ثم قال:"... ومن ذلك أنه علَّق الحكم بمسمى الإقامة؛ كما علقه بمسمى السفر، ولم يُفَرِّقْ بين مقيم ومقيم ..." [2] .

وقال في موضع آخر بعد تقريره أن الإقامة لا تُحد بأربعة أيام قال بعد ذلك مباشرة:"... ما أطلقه الشارع يُعمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بمدة ..." [3] .

الوجه الثاني: كلامه في السفر.

لا يستقيم فهمُ كلام الإمام ابن تيمية في الإقامة إلا بالنظر في كلامه في السفر؛ فالسفر والإقامة عنده نقيضان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا؛ كما يقول الأصوليون.

فوجود الإقامة بمعناها العرفي نفي للسفر بمعناه العرفي؛ كما هو ظاهر؛ فمن كان مقيمًا عرفًا فليس بمسافر في عرف الناس أيضًا؛ فلا رخصة له.

وتأمل هذا في كلامه:

يقول رحمه الله:"وأما الإقامة فهي خلاف السفر؛ فالناس رجلان مقيم ومسافر، ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين إما حكمُ مقيمٍ، وإما حكم مسافر" [4] .

ويقول:"... والقصر معلق بالسفر وجودًا وعدمًا؛ فلا يصلي ركعتين إلا مسافر، وكل مسافر يصلي ركعتين ..."اهـ [5] .

(1) انظر"مجموع الفتاوى"لابن تيمية (25/ 213) .

(2) المرجع السابق (24/ 36) ، وانظر منه (19/ 235) .

(3) "الفتاوى الكبرى"لابن تيمية (4/ 434) .

(4) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 136) .

(5) المرجع السابق (24/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت