فهرس الكتاب
ويقول رحمه الله:"... وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حد في الشرع ولا اللغة، بل ما سموه سفرًا؛ فهو سفر"اهـ [1] .
وقال عن حد الإقامة:"... وإذا كان التحديد لا أصل له فمادام المسافر مسافرًا فإنه يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورًا" [2] .
يقال هنا: والناس لا يسمون المقيم إقامة عرفية مسافرًا لا حقيقة ولا حكمًا؛ فهو عند ابن تيمية غير مسافر؛ فلا رخصة له.
فهذا الوجه لازم لكل من قال بأن تحديد السفر راجع إلى العرف ثم اعتبر للإقامة حدودًا أخرى لم يأت بها نص، ولم يدل عليها عرف؛ وذلك لأن المسافر ـــ عند الناس ـــ يخرج من سفره بإقامة عرفية، وكذلك المقيم عرفًا يخرج من إقامته بسفر عرفي.
الوجه الثالث: أن كلام العلماء عند الإطلاق يُحمل على العرف.
رأيتَ في كلام الإمام ابن تيمية أنه يعتبر لانقطاع الرخصة زوال وصف السفر، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يترخصون لأنهم لم يقيموا إقامة خرجوا بها عن السفر.
فمتى يزول السفر عند ابن تيمية، وما هي الإقامة التي يعتبرها مخرجة للمسافر عن سفره؟
إن أقرب ما يُحمل عليه كلام العلماء عند الإطلاق هو إرادة الوضع العرفي؛ لأنه الأقرب إلى مراد المتكلم، والمتبادر إلى فهم السامع؛ فالنتيجة هنا أن من أقام إقامة عرفية فقد انقطع سفره؛ وبذلك ينتهي ترخُصُه.
وهذا هو منهج ابن تيمية نفسه؛ فقد حَمَلَ كلام العلماء عند الإطلاق على المعنى العرفي؛ فقال عن سب الرسول - صلى الله عليه وسلم:"فما كان في العرف سبًا للنبي فهو الذي يجب أن يُنزَّل عليه كلام الصحابة والعلماء"اهـ [3] .
قال ذلك دون أن يذكر تصريحًا من الصحابة والعلماء باعتبار العرف في ضبط شتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد اعتبر في ذلك إطلاق اللفظ.
ومن قال: إن مراد ابن تيمية هنا هو شيء غير الأوضاع المشتركة ـــ كتأثير إرادة الوقت أو العمل ـــ فهذا هو الذي يحتاج إلى تصريح وبيان.
الوجه الرابع: أنه اعتبر في فتاواه أمورًا عرفية.
فقد اعتبر رحمه الله أمورًا عرفية في ثبوت أحكام الإقامة، حين قرر أنه ليس للملاح أن يترخص مادام في رفقته امرأته، وجميع مصالحه؛ كما تقدم قريبًا؛ فقد رتب آثار الإقامة على الملاح رغم أنه على ظهر سير؛ وذلك بسبب أمرين عرفيين، هما التأهل، ووجود المصالح.
(1) المرجع السابق (24/ 135) وانظر (21/ 356) من المرجع نفسه.
(2) المرجع السابق (24/ 18) .
(3) "الصارم المسلول"لابن تيمية (3/ 1009) وانظر"حاشيتي قليوبي وعميرة" (4/ 71) في اعتبار المعنى العرفي في الإعسار عند إطلاق العالم للفظه.