الصفحة 45 من 53

ومما يدل على أن مراده هو الوضع العرفي لا سواه أن أدلته وأمثلته في السفر والإقامة كانت موافقة للمعنى العرفي، وما بقي منها فلا يعارضه لعدم التصريح بوجود أسباب الإقامة:

فمن أدلته: أحوال نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة عامي الفتح وحجة الوداع، وكذلك في تبوك، ومنها أحوال نزول الصحابة في الجهاد.

ومن أمثلته رحمه الله على عدم تحقق الإقامة التاجر الذي يقدم ليبيع بضاعة [1] .

وكل هذه ملحقة بالسفر عرفًا وعادة.

ولم أرَ له دليلًا واحدًا أو مثالًا واحدًا تضمن شيء منها إقامة النازل في مكان المثل وسكنه متأهلًا في مدة طويلة ونية مستقرة.

فأدلته وأمثلته هي أولى ما يُفسر بها كلامُه.

فيكون الظاهر من كلامه أن الذي يستحق الرخصة هو من سافر ثم نزل مكانًا لم ينو فيه المقامَ ولا قطعَ السفر؛ فبقي مضطربًا غير مستقر ينظر إلى مواصلة سيره، أو الرجوع إلى بلده في وقت يسير عادة، أو في وقت كثير لم تُوجد فيه بقية أسباب الإقامة الأخرى كالمكان والمسكن؛ كحال من نزل بلدًا لتجارة أو مرافعة أو ملازمة غريم أو سؤال لأهل العلم أو تحصيل دين أو زيارة أو نزهة، ومثل ذلك في الوقت الحاضر مراجعةُ المؤسسات الحكومية والأهلية، مما لا يُعتبر المسافر معها مقيمًا قاطعًا لسفره، ولو سئل الناس عنه لقالوا بأنه غير مقيم؛ فهو باق على حكم سفره.

وقد أكد رحمه الله هذا المعنى بقوله:"وقد أقام المهاجرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح قريبًا من عشرين يومًا بمكة، ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر" [2] .

وتراه يقول:"... لأن الفطر مشروع للمسافر في الإقامات التي تتخلل السفر؛ كالقصر" [3] .

فاتضح أن مراده بالإقامة التي تتبع السفر إنما هي إقامة تتخلله، ويراها الناس جزءًا من ذلك السفر، وليست إقامة ينقطع بها هذا السفر.

كلام ابن القيم:

أما الإمام ابن القيم فقد قال في فوائد غزوة تبوك:"... ومنها أنه أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت، إذا كان غير مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع" [4] .

فيُلحظ في كلامه ما يلي:

(1) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 140) .

(2) المرجع السابق (24/ 139) .

(3) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (24/ 185) .

(4) "زاد المعاد"لابن القيم (3/ 561) و"الصواعق المرسلة"له (1/ 187) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت