الصفحة 1 من 63

حدّ الزّنا في المذهب المالكي

من خلال"مدوّنة سحنون"و"تفسير القرطبي"

المقدّمة العامّة

شعر المسلمون بعد وفاة الرّسول بفراغ تشريعيّ أحدثه انقطاع الوحي الذي كان لا يكفّ عن إسعافهم بالأحكام المناسبة لما يستجدّ بينهم من النّوازل، فدفعتهم الحاجة التشريعيّة إلى الالتفاف حول الصّحابة القرّاء"الحاملين للقرآن" [1] طلبا لضوابط السّلوك و المعاملات التي أرسى النّبيّ أطرها العامّة و حمل المسلمين عليها مستندا إلى ما يُلقى عليه من وحي. و لقد وجدوا في الغالب ضالّتهم عند هؤلاء الصّحابة الذين سعوْا إلى كدّ الفكر في فهم النّصوص و تأويلها لاستنباط الأحكام التي لم يصرّح بها القرآن و لم يرسها الرّسول لوقوع النّوازل بعده.

و لئن نهض القرّاء - رغم الاختلافات و الخلافات الشديدة - بهذه المهمّة في عصرهم فقد تجدّدت النوازل بعدهم باعتبار استحكام قانون التطوّر في ظاهرة العمران، و تجدّدت معها الحاجة التشريعيّة. فتصدّى التابعون من تلميذهم إلى الفراغ التشريعي فأرسوْا مبدأ إمامة النّصّ و نصّبوه شارعا و أجازوا لأنفسهم و لكلّ من تتوفّر فيه شروط الحفظ و الإدراك و الورع أن يتقدّم إلى الإفتاء للمسلمين، ثمّ وسموا فعلهم هذا بالفقه [2] . و الفقه، حسب اعتراف المسلمين أنفسهم في أشهر تعريفاتهم، هو بالأساس ظاهرة ثقافيّة تاريخيّة التبست عند عامّة المسلمين بالمقدّس بسبب انشغالها بالقرآن و انطلاقها منه. فما هي أهمّ نتائج تفاعل التاريخ مع المقدّس؟

غير أنّ تنامي الاختلافات التليدة و الحتميّة النّاجمة بالأساس عن طبيعة النّصّ اللّغويّة و عن اختلاف الدّوافع الذّاتيّة و الموضوعيّة عند الفقهاء من شتى المذاهب لإرساء فهم دون غيره، و احتفاءهم في الغالب بالأحكام القرآنيّة - من دون سائر المعاني كالعقائد و المواعظ و القصص - باعتبارها مَعين التشريع و مادّته قد أحوجهم إلى تفسير شامل للقرآن أريدَ به بالأساس حسم التفرّق في الفهم و الاحتجاج على صحّة العقيدة و سلامة المذهب، و تحصيل موادّ و مستندات تشريعيّة متجدّدة يفرزها التأويل و الاستنباط. فاستجابت النّخب الإسلاميّة العالمة إلى هذا المطلب و وضع الطّبري في القرن الثالث الهجري مصنّفه في التفسير"جامع البيان"، ثمّ اقتفى الخلف من شتى الأمصار الإسلاميّة أثره فتتالى ظهور المصنّفات في هذا الفنّ و ذهب فيه أهله كلّ مذهب [3] . و لكن هل تنطبق التعريفات النظريّة المتفائلة للتفسير، باعتباره مجرّد توضيح لخصائص الآيات و توثيق لملابسات نزولها، مع حقيقة ممارسة الفقهاء له؟

و لقد صار الفقه و التفسير أداتين رئيسيّتين للفقهاء وضعوا بهما للمسلمين قوانين فقهيّة ادّعت كلّ طائفة منهم - رغم الاختلافات - أنّها لا تعدو أن تكون تمهيدا و توطئة للمقاصد الإلهيّة الكامنة في البيان القرآني. و دارت معظم العلوم النّاشئة على تخوم النّصّ - كعلم الكلام و علوم القرآن و الحديث و اللغة - في فلك الفقه و التفسير، و استمدّ الفقهاء و المفسّرون من هذه الفنون ما قضوا به أوطارا في التّأويل و الافتاء.

و يؤكّد ذلك أنّ الفقه و خاصّة التفسير يمثلان الجامع الأساسي للعلوم الدّينيّة. و هو ما يغري الباحث في المجال التشريعي في الحضارة الإسلاميّة القديمة بالعكوف عليهما لفهم آليات التشريع الإسلامي القديم و منطلقاته.

(1) -عبد الرّحمان بن خلدون:"المقدّمة"، دار الفكر، بيروت - لبنان، الطّبعة الأولى لسنة 1998، ص 428.

(2) -"الفقه .. في اللّغة عبارة عن فهم غرض المتكلّم من كلامه، و في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعيّة العمليّة المُكتسب من أدلّتها التفصيليّة، و قيل هو .. الوقوف على المعنى الخفيّ الذي يتعلّق به الحكم. و هو علم مستنبط بالرّأي و الاجتهاد و يحتاج فيه إلى النظر و التأمّل. و لهذا لا يجوز أن يُسمّى الله تعالى فقيها لأنّه لا يخفى عليه شيء". علي بن محمّد الجرجاني:"التعريفات"،: دار الكتب العلميّة - بيروت. طبعة سنة 1983، ص 168.

(3) -"االتفسير في الأصل هو الكشف و الإظهار و في الشرع توضيح معنى الآية و شأنها و قصّتها و السّبب الذي نزلت فيه بلفظ يدلّ عليه دلالة ظاهرة". علي بن محمّد الجرجاني:"التعريفات"ص 425.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت