و يعتبر الزّنا [1] من من أهمّ الظواهر التي احتفى بها الفقه و التفسير. و تتأتّى أهمّيّته من صفتين أساسيّتين فيه، أولاهما:: أهمّيّة العلاقات الجنسيّة و مركزيّتها عند الإنسان، فالجنس في الحقيقة هو ظاهرة و حاجة طبيعيّة ملحّة تتعسّر السّيطرة عليها خلافا للظواهر الثقافيّة التي يمكن أن تلغيها عوامل التّطوّر أو تعدّلها. ثانيتهما: إجماع الدّيانات السّماويّة و معظم الأعراف القديمة [2] على تحريم الزنا و تقنين الوطء لدواع نفسيّة و اجتماعيّة مختلفة، بل إنّه يمثل في التصوّر الإسلامي أحد الأسباب الرّئيسيّة لمعاقبة آدم و حوّاء بالخروج من الجنّة و التّدنّي إلى مِحن الأرض ذلك أنّهما بعد"أن ذاقا من شجرة الخلود و السّلطة الأبديّة انتبها .. مباشرة إلى سوءاتهما. و قد كانت هذه الحقيقة التي دفعا ثمنها غاليا هي - في النهاية - الحقيقة الجنسيّة" [3] . و لقد أكّد القرآن هذا النّهج فأتبع المحنة الغيبيّة للإنسان بجملة من العقوبات البدنيّة [4] تقام في عالم الشهادة على من يثبت عليه الزّنا من المسلمين.
و بذلك فقد توفرت الدّوافع الملحّة على الفقهاء و المفسّرين لكي ينشغلوا بأحكام الزنا، فانطلقوا من الآيات القرآنيّة و سعوْا إلى استنباط الأحكام ممّا اعتبروها أدلّة عليها و على فروعها. غير أنّ تفاقم النوازل و تشعّبها مقابل اكتفاء القرآن في الغالب بإرساء المبادئ و الأحكام العامّة لخطيئة الزنا قد أحوج الفقهاء و المفسّرين إلى مصادر أخرى توفّر لهم المستند الشرعي للنوازل المتولّدة من الحركة العمرانيّة الإسلاميّة بكلّ خصائصها الثقافيّة و النّفسيّة و السّياسيّة و الاجتماعيّة المعقّدة، و تكون في الآن ذاته مُكافئة للقرآن في الحجّيّة. فوجدوا ضالّتهم في المأثور عن الرّسول فانكبّوا على تدوين الأخبار المنسوبة إليه في الزّنا سيرة و أقوالا و أقاموا عليها جانبا هامّا و حاسما من مقالاتهم.
بيد أنّ انغلاق التشريع النّبوي بدَوره بوفاة الرّسول [5] قد أحوج الفقهاء إلى القضاء في ما عُرض عليهم من نوازل متجدّدة - في الزنا و غيره من الظواهر الطّبيعيّة و العمرانيّة التي حرصوا على محاصرتها و ضبطها تشريعيّا - احتكاما إلى مبدإ القياس المتمثل في عرض نازلة غير مذكورة في النّصّ على أخرى شبيهة لها فيه، فإن وُجدت استعير منها الحكم. إلاّ أنّ محدوديّة هذه الأداة الأصولية في تلبية كلّ الحاجة التشريعيّة باعتبار تكاثر النوازل التي لا أصل و لا شبيه لها في النّصّ قد ألجأ الفقهاء إلى تحكيم الرّأي في التشريع، ثمّ وسموا إرساءهم للأحكام بواسطة العقل بالاجتهاد اعترافا منهم بنسبيّته و إشارة إلى عدم استقلال أداة العقل في إرساء الأحكام باعتبار أنّه منضبط، نظريّا على الأقلّ، بالأسس التشريعيّة الموسومة بمصادر الفقه و هي على الترتيب: القرآن و السّنّة و القياس و الاجتهاد. فما هي حدود اعتماد الفقهاء و المفسّرين على كلّ مصدر من مصادر التشريع و هم يرسون أحكام الزّنا؟ و ما مدى وجاهة إلحاقهم للسّنّة و القياس و الرّأي بالقرآن؟ و ما مدى وفائهم من خلالها للمقاصد القرآنيّة؟
لئن أدّى تنوّع هذه المصادر و انفتاحها على التأويل و الزّيادة إلى استفحال الخلافات في أحكام الزّنا بين الفرق و المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة فقد أتاح ذلك لكلّ جماعة من الجماعات الإسلاميّة أن تتخيّر من الأحكام ما تراه متناسبا مع خصائصها الاجتماعيّة و النفسيّة و السّياسيّة. فعكف فقهاء كلّ طائفة على ما ارتضوه من مذاهب و أقوال - في الزنا و غيره من المجالات الفقهيّة - بالتمحيص و التبرير و التطوير و الاستنباط. فما هي أهمّ دوافعهم المعلنة و الخفيّة في اختيار مذهب أو حكم دون غيره؟
(1) - مفهوم الزّنا في الإسلام هو:"الوطء في قُبُلٍ خال عن ملك أو شبهة"علي بن محمّد الجرجاني:"التعريفات ص 319. و"كَانَ الزنا فِي اللُّغَة مَعْرُوفًا قَبْل الشَّرْع مِثْل اِسْم السَّرِقَة وَالْقَتْل. وَهُوَ اِسْم لِوَطْءِ الرَّجُل اِمْرَأَة فِي فَرْجهَا مِنْ غَيْر نِكَاح وَلا شُبْهَة نِكَاح بِمُطَاوَعَتِهَا. وَإِنْ شِئْت قُلْت: هُوَ إِدْخَال فَرْج فِي فَرْج مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّم شَرْعًا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَجَبَ الْحَدّ". أبو عبد الله محمّد القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، دار الحديث - القاهرة، طبعة سنة 2002، مجلّد 1 ص 462 (تفسير الآية 2 من سورة النّور، المسألة الأولى) ."
(2) - انظر مثلا: عمر رضا كحّالة:"الزّنى و مكافحته"، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الثالثة لسنة 1981.
(3) - عبد الوهّاب بو حديبة:"الجنسانيّة في الإسلام"، دار سراس للنّشر - تونس، سنة 2000، ص 18.
(4) - هي الموسومة في التداول الفقهي بالحدود، و الحدّ"في اللّغة المنع": الجرجاني:"التعريفات"، ص 115. و عند"الفقهاء عقوبة مقدّرة تجب حقا لله تعالى .. و المراد بالعقوبة .. ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع .. و المقصد الأصلي من شرعه الانزجار عمّا يتضرّر به العباد": التهانوي:"كشاف اصطلاحات الفنون"، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت. الطّبعة الأولى لسنة 1996. ج 1 ص ص 623 - 624 .. و لقد عرّف القرطبي الحدّ في مقام تفسيره للفاصلة (تلك حدود الله) ، سورة البقرة: 2/ 187، فقال:"أيْ: هذه الأحكام حدود الله .. و سُمّيت حدود .. لأنّها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها و أن يخرج منها ما هو منها و .. سُمّيت الحدود في المعاصي لأنّها تمنع أصحابها من العَوْد إلى أمثالها":"الجامع لأحكام القرآن"ج 1 ص 710، (تفسير سورة البقرة: 2/ 187، المسألة 35) . .
(5) - قال ألفرد بيل:"القرآن و الحديث يكمّل كلاهما الآخر، و يشتملان إذن على جوهر الدّين، لكنّهما لا يؤلّفان نسقا كاملا منتظما في العقيدة و الشريعة. و كلاهما ليس قانونا دينيّا و مدنيّا. فكان على جماعة المسلمين، بواسطة المتكلّمين و الفقهاء، أن يُفسّروا هذه الأصول و أن يقرّروا العقيدة و يحرّروا الشريعة"."الفرق الإسلاميّة في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتّى اليوم"، ص 115.