الصفحة 3 من 63

لقد آل تفاعل هذه القضايا إلى تشعّب التشريعات الإسلاميّة و تعدّدها و اختلافها رغم وحدة الأصل. و هي ظاهرة مشكلة تغري الباحث برصد المظاهر و الأسباب الكامنة وراء عدول الجماعة الإسلاميّة العالمة عن النّصّ رغم إجماعهم عليه، و بتحقيق أدواتهم في تبريرهذه المفارقة للأحكام المقدّسة الموصوفة أصوليّا بالعصمة و الشمول، خاصّة و أنّها قضيّة لم تحض - في الغالب - بما يُناسبها من مقاربات موضوعيّة و بحوث علميّة جريئة و مُغْنِية. و لقد كان إعراض الباحثين عن مقاربة مشغل الزّنا في الفقه بمنهج علميّ موضوعيّ أشدّ، لوقوعه بين مجالين أساسيين من مجالات التّابو [1] و نعني الدّين و الجنس. فاكتفى معظمهم بترجيع مقالات السّلف و تبريرها و تثبيتها و قصروا النقد على القضايا الفقهيّة الفرعيّة.

و رغم تأثير البحوث الاستشراقيّة في العصر الحديث في بعض النّخب العلميّة الإسلاميّة و ظهور أعلام منها [2] تجرّؤوا على مساءلة المسلّمات الفقهيّة و إحراجها فإنّ معظم جهودهم العلمية لم تتخصّص في مقاربة المشاغل الحافّة بمقالات الزّنا في الفقه و التفسير.

و لقد دفعنا كلّ ذلك إلى جعل بحثنا مقاما مُتواضعا نسعى فيه إلى إثارة جانب من هذه القضايا العميقة - المندرجة في المساحة الفاصلة بين النّصّ و الممارسة - و من أسباب استفحالها من خلال مقاربة مشغل الزنا في نموذجين من المدوّنتين الفقهيّة و التفسيريّة السّنيّة الإسلاميّة. فاخترنا مصنّفين مالكييْن [3] يعتبران من أهمّ عمد هذا المذهب المَكين عند عامّة أنصار الفقه النّقلي الذين لا يُجوّزون في أصولهم النّظريّة الإفتاءَ من غير برهان نصّيّ صريح أو مُشير. أي أنّنا سنتقصّى القضيّة في أحد أقرب المذاهب إلى النّصّ - حسب التصوّر الإسلامي العامّ - لنتبيّن حدود عدوله عنه. و لقد حملتنا على اختيار المذهب المالكي عدّة دواع، أهمّها:

-الحيطةُ من أن يوصف بحثنا بالانتقائيّة و التحامل على السّلف لو أنّنا اخترنا الفقه الحنفي مثلا الموصوف - تهجينا - بمذهب أهل الرّأي [4] إشارة إلى مفارقة الأحناف للنّصّ بقولهم فيه بالرّأي، أو الفقه الشيعي الذي غالى عامّة أهله في معارضة جماعة السّنّة حتى جاوزوهم في مفارقة النّصّ.

-ريادة المذهب المالكي في الفقه إذ يعتبر مالك من طلائع فقهاء السّنّة الذين يتصل علمهم عند أتباعه و عند عامّة المسلمين بالرّعيل الأوّل لإقامته في المدينة مهد الدّعوة و موطن الصّحابة الأوائل. و يتيح لنا ذلك رصد مدى توفيق أقرب الفقهاء مِصْرًا و عصرًا إلى مرحلة النّبوّة في إرساء المأثور من الأحكام و ترجمة المقاصد بدقة و أمانة.

-انتشار هذا المذهب وسيادته في عدد من الأمصار الإسلاميّة إلى هذا العصر، و هو ما يحتّم تأثيره في معظم اتجاهات الفقه السّنّي المنطلقة من الأسس التي وضعها مالك و أتباعه.

-أنّ مالكا رغم اختصاصه في النّقل و الإفتاء و التصنيف الفقهي كان واعيا بأهميّة التفسير و ضرورته للفقه، و يبرهن على ذلك وضعه لمصنّف تناول فيه"تفسير غريب القرآن" [5] . و يبدو أنّه قد اكتفى بهذا الجانب من بيان النّصّ لحاجته إليه في فهم المقاصد و تأويلها لإرساء الأحكام، و لأنّ

(1) - تعريب مصطلح"tabou". انظر: سهيل إدريس:"المنهل"طبعة دار الآداب - بيروت سنة 1996. و راجع أيضا: ... larousse - grand format - . le petit . طبعة بلجيكا، ماي 1994، ص 984.

(2) - تعرّضت الأستاذة نائلة السّلّيني إلى هذا المشغل بجرأة و ببعض التفصيل و التركيز في إطار بحثها في"تاريخيّة التفسير القرآني". و سنسعى إلى الاستفادة من النتائج الهامّة التي بَلغتها.

(3) - مالك هو:"أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر .. المدني .. أخذ القراءة .. عن نافع .. وسمع الزهري ونافعا مولى ابن عمر .. وأخذ العلم عن ربيعة الرأي .. ثم أفتى معه عند السلطان .. وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة .. وتوفي في .. سنة تسع وسبعين ومائة"ابن خلّيكان:"وفيات الأعيان"تحقيق الطّبعة ج 7 ص 235. و هو أيضا"أحد الائمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية .. وسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف (الموطأ) .. وله رسالة في الوعظ .. و رسالة في (الرّد على القدرية) وكتاب في .. (تفسير غريب القرآن) "خير الدّين الزّركلي:"الأعلام". و نشير إلى تمجيديّة معظم المصادر السّنّيّة في تعريفها بمالك و مشاهير أتباعه و لذلك فقد تحاشينا هذه الظاهرة لما رأينا فيها من مغالاة في تعظيم شأنهم و اكتفينا من التراجم في الغالب بما يصف حيواتهم و فقههم وصفا موضوعيّا.

(4) - راجع: عبد الرّحمان بن خلدون،"المقدّمة"، ص ص 427 - 428.

(5) - خير الدّين الزّركلي:"الأعلام".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت