قواعد فنّ التفسير لم تكن قد ظهرت في عصره. و يبرهن هذا الوعي المبكّر بحاجة الفقه إلى التفسير على علوّ نسق الجدليّة الناشبة بينهما و على مَتْحِ كليهما من معين الآخر.
-أنّ إفتاء مالك"عند السلطان" [1] يشير إلى إمكانيّة مسايرته له في بعض الفتاوى و الأقضية التي تكون حجّة له في تحقيق بعض المآرب السّياسيّة أو الاجتماعيّة و تكون مخالفة للنّصّ أو لمقاصده.
-أنّ فقهه قد صار قانونا و شرعا وافقه عليه المنصور العبّاسي و اتخذه شريعة للمسلمين فتحوّل"الموطّأ"على مرّ العصور إلى أحد المراجع الأساسيّة في القضاء و في استنباط الأحكام. و لذلك فإنّ هذا الفقه حريّ بالدّراسة العلميّة الرّائزة لمدى التزام الممارسة الفقهيّة بالأصل الذي قامت عليه أصوليّا.
و لقد اخترنا من المصنّفات الفقهية المالكيّة"مدوّنة سحنون"التي ادّعى واضعها [2] أنّه قد رواها عن ابن القاسم [3] عن مالك. و أهمّ مبرّرات اختيارنا لها:
-ظهورها في القرن الثالث الهجري الذي يمثل مرحلة تبلور الفقه و موعد استفحال التصنيف فيه. و يتيح لنا ذلك تبيّن نسبيّة أقوال صاحبها في الزّنا باعتبار أنّ بدايات تأسيس العلوم عادة ما تكون أكثر مراحلها تعثرا، و باعتبار مكانتها الرّفيعة عند فقهاء المالكيّة خاصّة و سائر المذاهب عامّة و اشتهار الاعتماد على أحكامها في القضاء اطمئنانا من القضاة إلى تطابقها مع مقاصد الشارع.
-حرص واضعها على الإحاطة بمعظم الأحكام الأساسيّة و الفرعيّة في الزّنا و سعيُه إلى بيان العلاقات التشريعيّة بين الوطء الفاسد [4] و غيره من المجالات الفقهيّة.
-البحث في مظاهر تأثير مضمونها و منهجها في الفقه و الفقهاء و دواعيه على مرّ العصور وصولا إلى القرطبي الذي اخترنا مصنّفه الموسوم ب"الجامع لأحكام القرآن و المبيّن لما تضمّنه من السّنّة و آي الفرقان" [5] نموذجا للتفسير.
و يبدو من خلال تراجم الرّجلين أنّ مصدر اشتهارهما و علوّ شأنهما في الفقه هو اقتفاؤهما لآثار شيخهما مالك و حرصهما على جمع فقهه و توظيبه و تدوينه. و لكن ما مدى صحّة منقولاتهما عنه؟ و ما مدى موافقتها لأحكام القرآن و مقاصده؟
و أمّا"الجامع لأحكام القرآن"فإنّ من أهمّ دوافعنا إلى اختياره من بين التفاسير المالكيّة التي سبقته و نحا نحوها كتفسير ابن عطيّة و تفسير ابن العربي:
-ظهوره في القرن السّابع الهجري الذي مثل مرحلة اكتمال أهمّ ملامح الفقه و التفسير. و يفيدنا ذلك في رصد موقف القرطبي [6] من سقطات سلفه، هل برّرها و أجازها أم نقضها؟ و في سبر مدى انفعاله بالواقع الإسلامي الذي شهد في المرحلة الفاصلة بينه و بين سلفه تحوّلات عمرانيّة و ثقافيّة عميقة.
(1) - ابن خلّيكان:"وفيات الأعيان"تحقيق الطّبعة ج 7 ص 235.
(2) - سحنون هو:"أبو سعيد عبد السّلام بن سعيد .. التنوخي .. الفقيه المالكي. قرأ على ابن القاسم و ابن وهب و أشهب ثمّ انتهت إليه الرّياسة في العلم بالمغرب. كان أصله من الشام .. و ولي القضاء بالقيروان و على قوله المُعوّل بالمغرب و صنّف كتاب المدوّنة في مذهب الإمام مالك .. و أخذها عن ابن القاسم .. وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله وعنه انتشر علم مالك بالمغرب وكانت ولادته .. سنة ستين ومائة وتوفي .. سنة أربعين ومائتين ..".ابن خلّيكان:"وفيات الأعيان". و انظر أيضا: - محمّد بن محمّد بن مخلوف:"شجرة النّور الزّكيّة في طبقات المالكيّة". دار الكتاب العربي - بيروت، ج 1 ص 69.
(3) - ابن القاسم هو:"أبو عبد الله المعتقي. فقيه مالكيّ مصريّ أصله من الشام .. و أخذ عنه أهل المغرب"أبو العرب التميمي القيرواني:"طبقات علماء إفريقيّة"، الدّار التونسيّة للنّشر، الطبعة الأولى لسنة 1968. الصّفحة 151. و لقد ثبت أنّه"تفقه بمالك و نظرائه و صحب مالكا عشرين سنة". أبو إسحاق الشيرازي الشافعي:"طبقات الفقهاء": دار الرّائد العربي، بيروت - لبنان، الطّبعة الثانية لسنة 1981، تحقيق: إحسان عبّاس. ص 150."وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك وهو صاحب المدونة في مذهبهم .. وعنه أخذها سحنون"ابن خلّيكان:"وفيات الأعيان"ج 5 ص 298. و كان"مولده سنة 128 للهجرة و مات بمصر .. سنة 191". محمّد بن محمّد بن مخلوف:"شجرة النّور الزّكيّة في طبقات السّادة المالكيّة". ج 1 ص 58.
(4) - هي عبارة د. نائلة السّلّيني وسمت بها الزّنى في أطروحتها.
(5) - القرطبي:"الجامع": المقدّمة: ج 1 ص 13.
(6) - القرطبي هو:"محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري .. الأندلسي ( [توفي سنة] 671 ه - 1273 م) .. من كبار المفسرين .. رحل إلى الشرق واستقر .. في .. أسيوط بمصر وتوفي فيها. من كتبه (الجامع لأحكام القرآن) .. و (قمع الحرص بالزهد والقناعة) و (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) و (التذكار في أفضل الأذكار) و (التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة) .. و (التقريب لكتاب التمهيد) .. وكان ورعا متعبدا". خير الدّين الزّركلي:"الأعلام"ج 4 ص 429. و لقد ولد القرطبي بحاضرة قرطبة من بلاد الأندلس فنُسب إليها"و تعلّم فيها العربيّة و الشعر إلى جانب تعلّمه القرآن الكريم. و تلقى بها ثقافته الواسعة في الفقه و النّحو و القراءات كما درس البلاغة و علوم القرآن". من مقدّمة محقق طبعة"الجامع". ص 6. و نشير إلى أنّنا لم نعثر في أيّ من كتب الفقه أو التراجم على السّنة التي ولد فيها القرطبي، بينما تذكر معظمها سنة وفاته.