الصفحة 36 من 63

مقصودة بمجموع أدلّة متفرّقة" [1] . أي إنّ مالكا و أتباعه يطمحون - نظريّا و افتراضيّا - إلى استنباط أنظمة تشريعيّة لتلك النّوازل توافق مقاصد النّصّ العامّة القائمة على رعاية المصالح. و لعلّ هذه الصّفة هي التي أغرت عامّة المسلمين بالاطمئنان إلى هذا المبدإ و التسليم به. غير أنّ الفقهاء المالكيّة قد أجروْه في كثير أحكام الوحي الصّريحة بداعي مخالفتها للمصلحة."

و لقد ثبت مشاهير أتباع مالك كابن القاسم و سحنون و القرطبي على مذهب إمامهم فعرّفه القرطبي و احتجّ له في أكثر من موضع من تفسيره فاعتبر أنّ"الآية (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاًَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) [2] أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية .. هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة .. وبسطه في أصول الفقه." [3] . و إنّنا لا نرى في الآية من معاني المصالح ما يجعلها أصلا لها، و إنّما تأوّلها المفسّر اقتناعا بمذهب إمامه و تبريرا له.

بيد أنّه لا ريب عندنا في أنّ مقالة المصالح المرسلة في ظاهرها مقالة وجيهة و منطقيّة باعتبار أنّه"لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية" [4] . و لكن المعضلة كامنة في اختلاف تصوّر الفقهاء للمصلحة و تشخيصهم لها عن تشخيص النّصّ، و الدّليل على ذلك هو ما ذكرناه من تجشمهم لمخالفة بعض أحكامه تحقيقا لما اعتبروه مصلحة رغم تأكيدهم أصوليّا على أنّ القرآن راع في شموليته و عصمته لكلّ المصالح.

و نزعم أيضا بأنّ هذه المعضلة هي الدّاعي المباشر للقرطبي في إقدامه على إسقاط مفهوم المصلحة على الآية باعتبار أنّ تأويله لها على هذا المحمل يسمح للفقهاء بتغليب ما يرونه مصلحة و إن خالف النّصّ الصّريح أو مقاصده بما أنّهم قد أحرزوا منه حجّة مكافئة له، أي إنّ الاستدلال بالآية لا يعدو أن يكون غطاء مرّر به القرطبي تصوّراته و تصوّرات سلفه الخاصّة للمصلحة و أكسب أحكامهم الفقهيّة ما يفي بحاجتها من الشرعيّة لتُفرض على الجماعة و تُنفذ فيهم.

و من الطّبيعيّ أن لا تلقى مثل هذه الأحكام كبير معارضة من طوائف الجماعة لأنّ الطبقة الفاعلة فيها ستجيزها و تفرضها على غيرها من الطّبقات المستضعفة لموافقتها في الغالب لمصالحها، و لأنّ المستضعفين سيعتقدون أنّ الله قد اختار لهم هذا القدر و عليهم أن يُسلّموا به. فصارت هذه المعادلة ضامنة لسريان مبدإ المصلحة المرسلة و استحكامه في الفقه و أصوله و ضامنة أيضا لتغليب العرف على النّصّ باعتبار أنّه قد"كان من نتائج اهتمام مالك الكبير بالمصلحة أنّه بنى كثيرا من أحكامه على اعتبار العادات و الأعراف حيث تتضمّن كثير من العادات و الأعراف المنتشرة بين النّاس كثيرا من مصالحهم المعتبرة شرعا في مقاصد التشريع و مقرّراته .. و من يُراجع مسائل مالك في الفروع الفقهيّة في المدوّنة و غيرها فسيجد أنّ كثيرا منها مبنيّ على مراعاة الأعراف و العادات" [5] . و لكن ما مدى موافقة هذه الأعراف لأحكام الوحي و مقاصده، و لشروط العدالة بمفهومها المطلق؟ ألم نبيّن قضاء القرآن بترك كثير منها؟ ألم يصفها بالجاهليّة؟

4 -1 - 1 - 1 / الأعراف العربيّة القديمة

يؤكّد اهتمام القرآن البالغ بالأعراف العربيّة القديمة وعيَه العميق بموضعها المكين من بنية الشخصيّة العربيّة و بعسر خلخلة هذه الأنظمة الجامدة و تعذرِ إلغائها بشكل حاسم باعتبار سريانها في الزّمن و تحوّلها عند العربي إلى ما يشبه العقيدة [6] .

(1) - بوجينا ستشيجفسكا:"تاريخ التشريع الإسلامي"، ص 168.

(2) - سورة يوسف: الآية 47.

(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 5 ص 185 (تفسير الآية 47 من سورة يوسف، المسألة 2) .

(4) - نفسه: ج 1 ص 481 (تفسير الآية 106 من سورة البقرة، المسألة 4) .

(5) - محمّد بلتاجي:"مناهج التشريع الإسلامي"، ص ص 466/ 467.

(6) - قال كولسن في هذا المعنى:"ينبغي تصوّر القبيلة .. لا على أنّها مجرّد الأحياء الذين يُمثلونها في وقت ما، بل على أنّها حقيقة تاريخيّة تمتدّ لتشمل الأجيال الحاضرة والسّابقة و اللاّحقة. و هذا التّصوّر للقبيلة هو في الحقيقة أساس الاعتداد بالقانون العرفي"،"في تاريخ التشريع الإسلامي"، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت