الصفحة 37 من 63

و لقد انعكس هذا الوعيُ بوضوح على أحكامه و مقاصده، فقامت"أحكام التشريع في النّصّ .. على .. البنى العرفيّة / العقديّة و ليس نسفها بيسير حتى يؤسّس عليها أنظمة بديلة لأنّ العرف عقد ثقافيّ يُميّز طبائع المجموعات و يترجم عن سلوكاتها حتى كأنّه الملكة التي تتلبّس بالسّليقة" [1] .

كما أنّنا قد بيّنّا في الفصل الأوّل أنّ أحكام الزّنا في القرآن قد وردت في مجملها متناغمة مع موقف الأعراف العربيّة القديمة منه باعتبار أنّ إحدى الغايات الأساسيّة للآيات كانت، في تقديرنا، تأطيرَ ذلك الموقف العرفي العربي من الزّنا تشريعيّا، و لقد أثبتنا أنّ أهمّ المقاصد القرآنيّة من هذا التشريع كانت تنظيم الأنساب و حماية الأعراض التي تعتبر من المُثل العربيّة الأساسيّة. و أشرنا كذلك إلى تشدّد الخطاب في أحكام الزّنا و انغلاق القرآن عليها و تواتر أخبار السّنّة بها.

ثمّ كشفت لنا مقاربة التجربة الفقهيّة والتفسيريّة المالكيّة في تفريع أحكام الوطء الفاسد وقوع أصحابها بين حاجتين متنافرتين، أولاهما: تقبّل أحكام الوحي باعتبار قداستها و ضمانها للقيم، و ثانيتهما: شدّة تلك الأحكام و تأثيرها سلبا في بعض مصالح السّادة التي شرّعتها لهم الأعراف، و أهمّها التغلّب على النّساء و الرّقيق و تسخيرهم في شؤونهم و متعهم. فسعوا إلى معالجة هذه المعضلة باستنباط حلول توفيقيّة و انتقائيّة بواسطة أدوات و وسائل فقهيّة متنوّعة سنأتي إلى تفصيل أهمّها في المحور الأخير من هذا الفصل.

و لقد أتاحت لهم هذه الوسائط، في النّهاية، مسايرة الأحكام القرآنيّة ظاهريّا و الالتفاف عليها في ذات الوقت و تغليب ما ألغته الآيات أو كافحته من أعراف و تقاليد تليدة.

و لئن اكتفى مالك - في حدود اطلاعنا - بتحكيم العرف في إرساء الأحكام دون أن يستدلّ على شرعيّة مذهبه أو يعلنه مبدأ في الاستنباط فقد تدارك القرطبي مقالات إمامه - على عادته - بالتبرير والرّتق، فأكّد دون حرج على حضور وشائج وثيقة بين النّصّ و العرف، و تمادى في تبريره حتى بلغ به أقصاه حين جمع المفهومين في عبارة"العرف الشرعي" [2] ، فأضفى مرّة أخرى على الأحكام الفقهيّة المسايرة للعوائد و الأعراف، التي ألغاها القرآن أو حث على تركها، ما تحتاجه من قداسة و شرعيّة حتى تحلّ محلّ النّصّ.

إلاّ أنّ القرافي [3] قد اعترف، مقابل ذلك، بتاريخيّة الأحكام الفقهيّة القائمة على العرف حين اعتبر أنّ:"جميع أبواب الفقه محمولة على العوائد فإن تغيّرت العوائد تغيّرت الأحكام في تلك الأبواب" [4] . وهي مسألة تناقض بوضوح المسلّمة القائلة بثبات الشريعة القرآنيّة، باعتبارها المصدر الأصلي للتشريع، و انطلاقها في الزّمان و اشتمالها على كلّ الأحكام.

كما نقل بلتاجي عن جولد زيهر من دراسته"العقيدة و الشريعة في الإسلام"قوله حين تعرّض لمبدإ المصلحة المرسلة عند مالك:"من الممكن التخلّي عن القواعد التي قرّرتها الشريعة إذا ما ثبت أنّ مصلحة الجماعة تتطلّب حكما يُغاير حكم الشرع" [5] . و إذا كان الأمر كذلك فما هو موقع القرآن من التشريع الإسلامي المنسوب إليه؟ و ما هي حقيقة تأثير أحكامه و مقاصده اللاّغية لبعض الأعراف و المتطلّعة إلى الحلول محلّها، و ما مدى نفاذها؟ ألا يمكن أن تكون نشأة الفقه الظاهري ردّا طبيعيّا على العدول الصّريح عن النّصّ؟ ألا يُعتبر داوود الظاهري و أتباعه، رغم ما شاب مذهبهم، أوْفَى للمسلّمة الأصوليّة بشموليّة القرآن و للعقد الفقهي المبرم في الالتزام بأحكامه؟

و حاصل الأمر أنّه رغم مسايرة القرآن للأعراف القديمة في أطرها العامّة فقد حرص على تعديل بعضها حتّى تتوافق مع نمط الاجتماع الشمولي الذي يروم إرساءه، و نظام القيم المثاليّة التي يدعو إليها. فاهتمّ في غير مقام و سياق بالفئات المستضعفة كالفقراء و أهل الذمّة و الأسارى فحث على الإحسان إليهم و فرض لهم الزّكاة و رغّب في التصدّق عليهم، و بأوضاع النّساء اللاّئي حرص على اقتطاع بعض حقوقهنّ الأساسيّة من الرّجال [6] ، ثمّ حثّ الرّسولَ و عامّة المؤمنين على كفلهنّ و إنصافهنّ و الإيفاء

(1) - نائلة السليني:"تاريخيّة التّفسير القرآني"، ج 1 ص 44.

(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 1 ص 678 (سورة البقرة: 2/ 185، المسألة 9) .

(3) - القرافي:" (ت 684 ه‍= 1285 م) من علماء المالكية". الزّركلي:"الأعلام".

(4) - هو قول نقله كولسن عن القرافي."في تاريخ التشريع الإسلامي". ص ص 188/ 189.

(5) - محمّد بلتاجي:"مناهج التشريع الإسلامي"، ص 456.

(6) - راجع مثلا: سورة البقرة: 2/ 231 - 232، النّساء: 4/ 4 - 7 - 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت