بعهده لهنّ، و بالرّقيق الذين رغّب في الرّفق بهم و أثاب على عتاقهم و نهى عن إكراه النّساء منهنّ على الزّنا [1] ، نقل القرطبي عن"أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما زال جبريل .. يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا" [2] .
بيد أن المالكيّة و عامّة الفقهاء قد اكتفوا في الغالب بإنصاف الفئات الأولى باعتبار وجود عرف التكافل أصلا عند العرب [3] ، ثمّ نكصوا مقابل ذلك عن الموقف القرآني من الفئتين الأخريين، أي النّساء والمماليك، و كان نكوصهم في مشغل الزّنا أشدّ باعتبار ما أشرنا إليه من اعتقادهم في إقدام المرأة على الوطء الفاسد و تسبّبها فيه من دون الرّجل، و باعتبار أنّ ملك اليمين قد مثل - كما بيّنّا - ذريعة للفقهاء للحيف على الرّقيق في أحكام الزّنا و التوسيع في المتعة على السّادة. فما هي مظاهر عدول المالكيّة عن مقاصد النّصّ في هذا المجال و ما هي دواعيه؟ و ما مدى تأثير هذه المواقف العرفيّة في تعامل الفقهاء مع أحكام الزّنا الخاصّة في النّساء و الرّقيق؟
و سنسعى إلى إنجاز هذا المحور بمقابلة موقف الوحي من النّساء و الرّقيق بموقف الأعراف التي تجلّت بوضوح في مواطن كثيرة من تفسير القرطبي و عبّرت عنها طائفة من أحكام"المدوّنة"، لنتبيّن المفارقات بين النّصّ من جهة، و المقالات الفقهيّة و التفسيريّة في هذا المجال، من جهة أخرى.
غير أنّه رغم قيام المنهج العامّ لبحثنا على رصد ظاهرة عدول المالكيّة عن القرآن دون السّنّة بسبب المشاغل الحافة بها فإنّنا سنرصد تلك الظاهرة في هذا المقام فيهما معا. و لقد دفعنا إلى ذلك ما يأتي بيانه من موافقة موقف الرّسول من الطّائفتين في بعض الأخبار للموقف القرآني، و مخالفته له في أخبار أخرى. فيكون هذا التعارض برهانا آخر على حقيقة تغليب الفقهاء و المفسّرين للعرف على النّصّ بتطويع الموقف النّبويّ لفائدته.
4 -1 - 1 - 1 - 1 / المرأة بين النّصّ و الفقه
لئن ثبت لدينا ميل الفقهاء المالكيّة في تفريع أحكام الزّنا إلى الرّجال و تمييزهم لهم عن النّساء فقد انتهى بنا البحث في مجالات عدولهم عن بعض أحكام النّصّ و مقاصده و علاته إلى قيام هذه المعياريّة في التعامل مع الجنسين على خلفيّة واقعيّة / عرفيّة راسخة و ضاربة في القِدم. بمعنى أنّ التعامل الفقهيّ مع المرأة في أحكام الزّنا محكوم بتلك الخلفيّة التي بيّنّا تمسّك الفقهاء بقوانينها و أنظمتها، بل و اضطرارهم إلى مجاراتها باعتبارها تمثل واقعا نفسيّا و اجتماعيّا كامنا في الذات العربيّة على مرّ العصور.
كما انتهى بنا هذا البحث إلى الظنّ بأنّ موقف الفقهاء المالكيّة من المرأة - و من المماليك كما سيأتي - يعدّ من أهمّ المجالات الفقهيّة المجلّية لظاهرة العدول عن شرائع النصّ و مقاصده باعتبار أنّه لم يكن من السّهل على الرّجال أن يستجيبوا إلى داعي الوحي بالتنازل عن حقوق و ميزات تشريعيّة اقتطعتها لهم الأعراف القديمة من النّساء بأن حوّلتهنّ إلى أداة متعة بأيديهم يصلون إلى طلبتهم منهنّ وقتما شاؤوا دون نظر إلى رضاهنّ، فما كان من الفقهاء إلاّ أن جاروْا الرّجال في مطلبهم و أبقوْا لهم على معظم المنح التي ألغى القرآن طائفة معتبرة منها، و شاركوهم فيها [4] .
و لقد حثنا ذلك على التوسّع في تمحيص موقف الفقهاء من النّساء في الزّنا و غيره من المجالات التشريعيّة لنجعل هذا الموقف أحد الشواهد على حقيقة مفارقة المالكيّة لبعض أحكام الوحي مدفوعين بالعرف الكامن فيهم، و مدعين مراعاة المصلحة المرسلة كما تصوّروها و أرادوها، لا كما يقتضيها منطق العدالة الذي حرص الوحي على إرسائه، و لنكشف أيضا الدّواعي الخفيّة لحيف الفقهاء على النّساء في بعض أحكام الزّنا.
? موقف القرآن و السّنّة من المرأة
لقد أثبت لنا بحثنا في أحكام الزنا القرآنيّة أنّ الخطاب لم يسع أبدا إلى اتهام المرأة و تجريمها من دون الرّجل سواء في سياقات الحدود و الأحكام أم في السّياقات الغيبيّة كقصّة الخلق و الخروج من الجنّة
(1) - راجع مثلا: سورة البقرة: 2/ 177 - 221، براءة: 9/ 60، النّور: 24/ 32، البلد:90/ 13.
(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 172 (سورة النساء: 4/ 36، المسألة 17) .
(3) - اعتبر كثير من الباحثين في التاريخ العربي القديم أنّ قيم التكافل و الكرم و القرى و الإجارة و غيرها قد نشأت عند العرب تداعيا للأوضاع الاقتصاديّة و الأمنيّة المتردّية لمعظم القبائل العربيّة.
(4) - معلوم أنّ جلّ الفقهاء الإسلاميين كانوا على مرّ العصور من الرّجال.