الصفحة 39 من 63

و اتحاد المصير و إنّما سعى إلى جعل مواقفه منها متوافقة مع واقعها الطّبيعي و الثقافي / العرفي مع ميل واضح إلى إنصافها في أهمّ حقوقها الأساسيّة. قال عبد الوهاب بو حديبة:"عبثا نحاول البحث في القرآن، رغم كلّ الظواهر المخالفة، عن أيّ أثر لعداء المرأة" [1] . و من أهمّ المواقف القرآنيّة المنصفة للمرأة و التي اعترف القرطبي نفسه ببعضها:

? نبدأ حديث المرأة من بدايته أي من قصّة الخلق فمعلوم أنّ القرآن قد ذكر تلك القصّة و أنبأ أنّ علّة خروج الإنسان من الجنّة و نزوله إلى الأرض هي معصية أبويه آدم و زوجته و مخالفتهما للنّواهي الإلهيّة. و لئن وردت أخبار القصّة في عدّة سور، و صيغت في معظم السّياقات بأسلوب إجماليّ فقد فُصِّلت بعض أحداثها الأساسيّة خاصّة في سورة"الأعراف"في قوله: [وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَ قَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) ] . وفي سورة"طه"في قوله: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) ] .

و لعلّ أهمّ ما يعني بحثنا في هذه الآيات هو أنّ الخطاب القرآنيّ لم يذكر اسم حوّاء أبدا و إنّما تحدّث في كلّ الآيات عن زوج آدم حتى أنّه لم ينسب إليها بنيها من البشر و إنّما ناداهم دائما (يَا بَنِي آدمَ) [2] ، و أسماهم (ذرِّيَّة آدَمَ) [3] . كما أشار إلى تبعيّة المرأة للرّجل منذ بداية الخلق و التكوين بما أنّ الله - حسب الآية الآتية - قد خلق نفس الرّجل أوّلا ثمّ اشتق منها نفس المرأة ثمّ توالدت منهما الأجيال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] [4] . و لعلّ هذه العوامل أن تكون سببا لإقامة القرآن في الغالب على تقديم آدم على زوجه في الخطاب و في التكليف.

غير أنّه لئن دلّت الآيات المتعرّضة لقصّة الخلق على أنّ آدم قد اشترك مع زوجه في المعصية والمحنة فقد كان هو أصلها لقول الفاصلة: [وَ عصَى آدَمُ ربَّهُ فغوَى] ، و كان هو أيضا صاحب التوبة لقول الآية [ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى] فلم يشرك القرآن معه زوجه في الخطاب بل بدت حوّاء منفعلة بالأحداث المتعاقبة على زوجها و تابعة له في حالتي المعصية و التوبة.

? معلوم أنّ القرآن قد احتفى كثيرا بأحكام المرأة، بل لعلّنا لا نفرط إن اعتبرنا أنّ احتفاءه بها يأتي بعد تأكيد النّبوّة و تثبيت العقيدة. و لقد اعتنى الخطاب بتنظيم علاقاتها الاجتماعيّة تشريعيّا خاصّة مع الزّوج ففرض للنّساء على الأزواج النفقة و شرط لهنّ العدل و حسن الصّحبة و الاستقلال بمالِهنّ، ثمّ شرط عليهنّ الطّاعة في المعروف، أي في ما وافق المنطق و جرى به العرف و أجازه النّصّ.

و لقد اقتضت هذه المعادلة من الخطاب أن ألغى جملة من أهمّ الأعراف العربيّة القديمة الجائرة على حقوق النّساء. منها ما عبّرت عنه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] [5] . و لقد نقل القرطبي في تفسيرها عن

(1) - عبد الوهّاب بو حديبة:"الجنسانيّة في الإسلام". ص 21.

(2) - راجع سورة المائدة: 5/ 28. و سورة الأعراف: 7 - 26 - 27 - 31 - 35 - 172. و سورة الإسراء: 17/ 70. و سورة يس: 36/ 60.

(3) - انظر: سورة مريم: 19/ 58.

(4) - سورة البقرة: 2/ 228.

(5) - سورة النساء: 4/ 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت