"الزهري وأبي مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت وان شاء زوّجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) . فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن .. والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال" [1] .
فأبطل القرآن هذا النظام الاجتماعيّ الجائر صراحة على أموال النّساء بجعلها دولة بين الرّجال يرثها حيّهم من ميّتهم، و الحارم للمرأة من إحدى ذرائع الاستقلال و الحرّيّة بمنعها من الانتفاع بميراث زوجها المتوفّى، و غصبها على الزّواج ممّن لا ترضى.
و لم يكتف القرآن بإلغاء هذا العرف باعتبار أنّه قد فرض للمرأة ميراثها من أهلها الأقربين في قوله: [لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [2] . فضمن لها نصيبها من الميراث ثمّ بيّنه و قدّره في آيتين أخريين: [يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] [3] . و قوله: [يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] [4] .
و معلوم أيضا - مقابل ما تقدّم - أنّ القرآن قد جارى العرف العربي القديم في بعض وجوه موقفه من المرأة فقدّم النّساء في أحكام الزّنا و أمرهنّ بإخفاء مواضع الفتنة من أجسادهنّ، ثمّ رفع الرّجال عليهنّ درجة في قوله: [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [5] . غير أنّ الخطاب لم يُعرّف هذه الدّرجة بل أسبق ذكرها بقاعدة تشريعيّة عامّة و واضحة في قوله: [َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ] . فساوى حقوق النّساء بحقوق الرّجال. و إنّ هذه المساواة لتجعلنا نتصوّر بأنّ درجة الرّجل على المرأة لا تعدو أن تكون ميزة معنويّة اقتضاها واقع تقدّم الرّجل الفيزيولوجي / الطّبيعي و العرفي، بل إنّها قد ألزمته بالتكليف أكثر ممّا ألزمت المرأة لقول الآية: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا] [6] . و حتى تجويز الخطاب للرّجال بضرب النّساء فقد كان في الحقيقة مشروطا بإصرار المرأة على النشاز و مقيّدا بعدم الإفراط [7] .
و منتهى الأمر أنّ القرآن قد جارى العرف العربيّ القديم في أطره العامّة و لكنّه ألغاه أوعدّله تشريعيّا كلّما تعارض مع المصالح الصّريحة للنّساء. ثمّ أبقى للرّجل تقدّمه على المرأة دون أن يغالي له في الحقوق التشريعيّة التي قد تتيح له سبيلا عليها. أي أنّ تقديم القرآن للرّجال لم يكن تشريعيّا بالأساس و
(1) - القرطبي:"الجامع": ج 3 ص ص 87 - 88 (تفسير الآية 19 من سورة النساء: المسألة الأولى) .
(2) - سورة النساء: 4/ 7.
(3) - سورة النساء: 4/ 11.
(4) - سورة النساء: 4/ 176.
(5) - سورة النساء: 4/ 1.
(6) - سورة النساء: 4/ 34.
(7) - طُرحت هذه المسألة في"الندوة العلميّة الثالثة: المرأة و العنف المشروع"، تنظيم:"وحدة البحث التشريعي في الأحوال الشخصيّة"- كلّية الآداب و العلوم الإنسانيّة بسوسة. و قد ذكرنا أنّ نصوصها لا تزال تحت الطّبع.