الصفحة 41 من 63

إنّما كان معنويّا اقتضته سياسة المراحل التي انتهجها القرآن في دعوته بدليل تناسخ أحكامه و نزوله على الرّسول منجّما.

كما نُسب إلى النبيّ محمّد في غير خبر رفقه بالنّساء و حثه على مواساتهنّ و وصايته للمؤمنين بهنّ حتى في النّزع، و تحريمه لقتلهنّ في الحرب إلاّ إن شاركن في القتال. و لقد ذكر القرطبي بعض هذه الأخبار في تفسيره و هي:

?"عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله (ص) فحمد الله و أثنى عليه وذكر و وعظ فقال: ألا و استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع و اضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا و لنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون و لا يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا و حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن و طعامهن" [1] . و يبدو هذا الخبر النّبويّ جامعا لأحكام القرآن الأساسيّة في النّساء و مستوفيا لها وناسخا لما عداها باعتبار وقوعه في حجة الوداع، و يؤكّد في الآن ذاته بأنّ الأصل في علاقة الرّسول بالقرآن هو التوافق باعتبار أنّه الذات الصّادعة به و الدّاعية إليه.

? قال القرطبي في تفسير الفاصلة: [وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا] [2] .. قيل: هو قوله عليه السلام:"فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" [3] . و يعني أمر الرّسول للمسلمين باتقاء الله في النّساء أنّه قد حرّم أذاهنّ و الجور عليهنّ في الحقوق التي أرساها لهنّ،.ويعتبر قول النّبيّ موافقا بدوره لمقاصد القرآن.

بيد أنّه رغم رواج أخبار و أحاديث نبويّة أخرى دافعة للحيف على النّساء فقد اكتفى القرطبي تقريبا بما بيّنّاه رغم اطّلاعه على الجانب الأوفر من مدوّنة الحديث و السّير و الأخبار، و إن كنّا قد توصّلنا في الآن ذاته إلى إقلال عامّة المصنفات من نقل مثل هذه الأخبار رغم أنّ اهتمام القرآن الشديد بإنصاف النّساء يجعلنا نفترض بأنّ النبيّ قد أكثر من الخوض في هذا المجال. و تثبت هذه الفرضيّة، إن صحّت، تورّط الأخباريين في تغييب ذلك النوع من الأخبار تثبيتا لموقف الأعراف من المرأة.

و رغم ندرة الأخبار النّبويّة الدّاعية إلى إنصاف النّساء فقد وردت في بعضها، ممّا أغفله المفسّر، إشارات بالغة الأهميّة إلى المكانة الحقيقيّة التي رمق بها الرّسول المرأة، و أهمّها:

? ما نقله الترمذي في سننه"عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص) خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" [4] . و يشتمل هذا الخبر، في الواقع، على موقف ثوريّ و نوعيّ للرّسول من المرأة باعتبار أنّه قد جعل مقياس التفاضل بين المؤمنين إحسانهم إلى أهلهم أي نسائهم. ثمّ أخبر عن نفسه بأنّه خير النّاس لأهله، داعيا إلى التأسّي به. و معلوم أيضا أنّ هذا الموقف شديد التعارض مع القيم العرفيّة الكامنة في مجتمع الدّعوة و السّارية في الأجيال النّاسلة منه.

? ما نقله البخاري في صحيحه عن"أنس بن مالك قال: كان للنّبيّ (ص) حَادٍ يُقال له أنشجة و كان حسن الصّوت فقال له النّبيّ (ص) رويدك يا أنشجة لا تكسر القوارير. قال قتادة: يعني ضعفة النّساء" [5] . و يعبّر هذا الموقف عن لطف النّبيّ في التعامل مع النّساء و عطفه عليهنّ فكيف يمكن أن يتهمهنّ بعد هذا و يحذر منهنّ؟

و الحقيقة أنّ موقف الوحي من المرأة مختلف عمّا بيّنّاه من موقفيْ التوراة و الإنجيل اللّذيْن وردت أحكامهما متناغمة في عمومها مع الأحكام الفقهيّة. و يعود - في تقديرنا - التواشج بين هاتين الجهتين التشريعيّتين المتفارقتين إلى تشرّب الأعراف العربيّة القديمة - المتغلغلة في الأحكام الفقهيّة - من الثقافة الكتابيّة المنتشرة في جزيرة العرب، فبدا الفقه المجاري للعرف في موقفه من النّساء، أحيانا، أقرب إلى

(1) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 3 ص 156 (النّساء: 4/ 34. المسألة 8) .

(2) - سورة النّساء: 4/ 21.

(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 3 ص 95 (مسألة 6) .

(4) - سنن التمذي:"كتاب المناقب"، الحديث رقم 3830. و ذكره الدّارمي في سننه:"كتاب النكاح"، الحديث رقم 2160،"موسوعة الحديث الشريف".

(5) - صحيح البخاري:"كتاب الأدب"، الحديث رقم 5743."موسوعة الحديث الشريف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت