الصفحة 42 من 63

التوراة و الإنجيل من القرآن رغم أنّه قد قام في الأصل لتقويم ما انحرف من الكتاب المقدّس، و رغم أنّ الفقه قد قام لترجمة مقاصد شريعته.

? الموقف العرفي / الفقهي من المرأة

تمثل المرأة في الفكر الإسلامي - المنفعل بعامل الأعراف القديمة و المثاقفة مع التوراة - أصل المكر و الغواية، و تعتبر مفاتنها عندهم أداة شيطانيّة توقع الرّجل في خطيئة الزنا المعتبرة من الخطايا المهلكة في الدّارين [1] . و لقد عبّر القرطبي، في غير موضع و مقام من تفسيره، عن هذه الظاهرة و تولّى مقالة سلفه فيها رغم ما قدّمناه من أدلّة على موقف الوحي النّاصر للنّساء و المبرّئ لهنّ. فحرص المفسّر على تدعيم هذا المذهب و البرهنة عليه بتأويل بعض الآيات على غير وجهها، و نقل أحاديث معارضة بدا فيها النّبيّ مستنقصا من المرأة و محذرا من كيدها و متوعّدا لها بالعذاب. و لئن بيّنّا إقلال القرطبي من نقل الأخبار المنصفة للنّساء فقد كاد يحيط بتلك [2] المستنقصة لهنّ إذاعة لها و تثبيتا للموقف العرفي من المرأة الطّاغي على موقف الوحي.

و لقد رأينا أن ننقل معظم هذه التأويلات و الأخبار و ننقدها باعتبار أنّها قد مثلت ذرائع فقهيّة حادت ببعض الشرائع القرآنيّة عن مقاصدها البديهيّة و أتاحت للفقهاء و المفسّرين المسكونين بالهاجس العرفي مبرّرا لتشديد أحكام الزّنا على النّساء دون الرّجال.

فما هي أساليب القرطبي و سلفه في التمويه على مفارقتهم لمقاصد الوحي؟ و ما مدى تأثير موقف الفقهاء من النّساء في توجيه أحكام الزّنا الفقهيّة؟

? نبدأ هذا الحديث بدوره من أوّله، أي من تأويل المفسّرين و الفقهاء للآيات المخبرة عن قصّة الخلق و بداية المحنة البشريّة و أسبابها، قال القرطبي في مقام تفسيره للآية: [فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] [3] : إن قيل: لم قال [عليه] و لم يقل عليهما و حواء مشاركة له في الذنب بإجماع و قد قال [وَ لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ] [4] و [قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا] [5] فالجواب: أن آدم عليه السلام لما خاطب في أول القصة بقوله [اسكن] خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده و أيضا فلأن المرأة حرمة و مستورة فأراد الله الستر لها و لذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: [وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى] [6] و أيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله [أَلَمْ أَقُلْ لَكَ] [7] و قيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء" [8] ."

و نرى كيف استغلّ القرطبي هذا السّياق القرآني المحمِّل لآدم تخصيصا مسألة العصيان و التوبة في تأكيد التسليم بثانويّة المرأة و تبعيّتها للرّجل، و لم يجعله برهانا على بطلان القول بأنّ المرأة هي صاحبة المعصية و الموقعة بآدم فيها.

غير أنّ المفسّر قد ذكر في نهاية المسألة إقرارا من بعض السّلف لم يسمّهم [9] بتساوي آدم و زوجه في المعصية في قوله:"وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء". و رغم أنّ هذا القول توفيقيّ و غير دقيق باعتبار أنّ الخطاب قد قدّم آدم في المعصية كما بيّنّا و جعل زوجته شريكة له فإنّه لم يكن لمثل هذا القول أيّ تأثير على منهج القرطبي و سلفه في التحامل على المرأة.

و لئن اضطرّ المفسّر إلى نقل هذا الخبر المساوي بين آدم و حوّاء في مقام تفسيره لآيات الخلق مجاراة لما ذكرناه من تحميل القرآن فيها للمعصية لآدم فقد حمّل حوّاء المعصية في مقامات أخرى فاعتبر أنّ"أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها .. وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس"

(1) - راجع: نائلة السليني:"تاريخيّة التفسير القرآني"، ج 1 ص ص 162/ 163 / 164.

(2) - بلغنا هذه النتائج عبر الاطلاع على كلّ أخبار المرأة في الكتب التسعة و عرضها على مرويّات القرطبي.

(3) - سورة البقرة: 2/ 37.

(4) - سورة البقرة: 2/ 35.

(5) - سورة الأعراف: 7/ 23.

(6) - سورة طه: 20/ 121.

(7) - سورة الكهف: 18/ 75.

(8) - القرطبي:"الجامع": ج 1 ص ص 301 - 302 (تفسير الآية 37 من سورة البقرة، المسألة الرّابعة) .

(9) - أشرنا إلى أنّ القرطبي كثيرا ما همّش الأقوال الوجيهة باقتضابها و عدم إحالتها على أصحابها، و إنّما يُغريه بعرضها سببان أساسيان، أوّلهما: شهرة هذه الأقوال و علوّ حججها، و ثانيهما: رغبته في مواجهتها و نقضها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت