الصفحة 43 من 63

المخدة، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد، لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد، فأتاهما من حيث أحبا .. فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد، فألح على حواء وألحت حواء على آدم، إلى أن قالت: أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت، فأكلت فلم يضرها، فأتت آدم فقالت: كل فإني قد أكلت فلم يضرني، فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب، لقول الله تعالى: [وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ] فجمعهما في النهي، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهي عنه منهما جميعا، وخفيت على آدم هذه المسألة" [1] . فترك القرطبي الخبر القرآني المبين إلى رواية لم يَذكر لها و لمثيلاتها أصلا و إن كنّا نرجّح بأنّها ملتقطة من الإسرائيليات باعتبار رواج أمثال هذه الأخبار عند اليهود حلفاء المسلمين و أجوارهم في المرحلة المدنيّة الأولى، و باعتبار أنّ موقف المفسّر و سلفه يكاد يتطابق مع الرّؤية العرفيّة للنّساء الماتحة من ثقافة أهل الكتاب يهودا و نصارى."

? قال القرطبي متأوّلا معاني إحدى آيات سورة"البقرة": [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] [2] :"لما ذكر المؤمنين و أحوالهم ذكر الكافرين و مآلهم. و الكفر ضد الإيمان و هو المراد في الآية. و قد يكون بمعنى جحود النعمة و الإحسان، و منه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف: (و رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع و رأيت أكثر أهلها النساء) قيل: بم يا رسول الله؟ قال:"بكفرهن"، قيل أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير و يكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط) أخرجه البخاري و غيره" [3] .

و رغم أنّ الآية خاصّة في الكفار فقد فسّر القرطبي الكفر فيها بالخبر المنسوب إلى الرّسول في النّساء. و إنّ ذكر موقف النّبيّ من المرأة في هذه الآية المعتبرة مقدّمة حديث الكفر في"الجامع"- بما أنّها تقع في بداية المصحف الإمام الذي التزم المفسّر بنظامه - يؤثر لا محالة في نظرة المطلعين على المصنف من النّساء رغم مواقفهنّ الشهيرة في نصرة النّبيّ و التضحية من أجل الجماعة، فقد كنّ رغم فقرهنّ"أكثر من يتصدّق" [4] ، و رغم عدم وجود أيّ إشارة في القرآن إلى اختصاصهنّ بصفة الكفر من دون الرّجال.

و لقد تواتر خبر في ستة من الكتب التسعة [5] يعارض القول بأنّ أكثر أهل النّار النّساء، نقل مسلم"عن ابن سيرين قال: اختصم الرّجال و النّساء أيّهم في الجنّة أكثر فسألوا أبا هريرة .. فقال: أوَ لم يقل أبو القاسم (ص) أنّ أوّل زمرة تدخل الجنّة على صورة القمر ليلة البدر و التي تليها على أضوإ كوكب درّيّ في السّماء لكلّ امرئ منهم زوجتان اثنتان يُرى مخ سوقهما من وراء اللحم و ما في الجنّة أعزب؟" [6] و يفيد هذا الخبر بأنّ عدد النّساء في الجنّة يمثل ضعف الرّجال باعتبار زواج كلّ واحد بامرأتين. فهل يمكن أن تكون النّساء أكثر أهل الجنّة و أكثر أهل النّار في آن؟ إلاّ أن يكنّ أكثر عددا من الرّجال، فيستوي حالهنّ معهم، أي أن تكون النّساء أكثر أهل النّار و أكثر أهل الجنّة في الآن ذاته. غير أنّه رغم تواتر هذا الخبر في مصنّفات الحديث التي أثبتنا اطّلاع القرطبي عليها فقد أعرض عن إدراجه في تفسيره، فهل يمكن أن تكون فائدة الخبر المذكورة سببا لهذا الإعراض؟

? فسّر القرطبي الآية: [وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [7] فقال في المسألة"الأولى: .. اختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة، فروي عن علي بن أبي طالب .. أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء، وفي الآخرة الحور العين. [وَقِنَا عَذَابَ"

(1) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 1 ص 286 (البقرة: 2/ 35. المسألة 11) .

(2) - سورة البقرة: 2/ 6.

(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 1 ص 180.

(4) - صحيح مسلم:"كتاب صلاة العيدين"، الحديث رقم 1473."موسوعة الحديث الشريف".

(5) - نقل الخبر الآتي كلّ من البخاري و مسلم و أحمد و الترمذي و ابن ماجة و الدّارمي.

(6) - صحيح مسلم:"كتاب الجنة و صفة نعيمها و أهلها"، الحديث رقم 5062."موسوعة الحديث الشريف".

(7) - سورة البقرة: 2/ 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت