الصفحة 45 من 63

? نقل القرطبي في تفسير الفاصلة: [إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] [1] ."عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول: [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفا ً] [2] وقال: [إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] " [3] .

و الواقع أنّ كثيرا من الثقافات و الأدبيات القديمة و الحديثة تؤيّد وصف القرآن للمرأة بالكيد الذي نزعم أنّها قد اكتسبته من صراعها الأزليّ مع الرّجل، فاستخدمته لتواجه بها تفوّقه الفزيولوجي عليها.

و لكن لو كانت المرأة مثالا للشرّ كما يلوّح الفقهاء و يصرّحون، و كما يروون عن النّبيّ فلماذا يدعو الوحي إلى إنصافها؟ و لو كانت شبيهة إبليس في الصّفة و شريكته في الفعل فلماذا يُبلس هو من التوبة و يناصبُه الوحيُ العداءَ ثمّ يدعو مقابل ذلك إلى إنصاف النّساء و يتيح لهنّ رخصة التوبة مثلما أتاحها للرّجال؟

? قال القرطبي في تفسير الآية [لله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَ إِنَاثًا وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ] [4] ."قوله تعالى: .. [يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ] قال أبو عبيدة و أبو مالك و مجاهد والحسن و الضحاك: يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، و يهب لمن يشاء ذكورا لا إناثا معهم و أدخل الألف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. و قال واثلة بن الأسقع: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، و ذلك أن الله تعالى قال: [يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ] فبدأ بالإناث" [5] . و يحتوي تفسيره على مذهبين متفارقين:

أوّلهما قول الجماعة، من أبي عبيدة إلى الضحّاك، الذين اعتبروا أنّ تعريف"الذكور"و تنكير"الإناث"دليل على تقدّم الرّجل على المرأة في الشرف. غير أنّهم لم يُعلّقوا أبدا على تقديم الخطاب للإناث في بداية الآية على الذكور رغم أنّ التقديم و التأخير أدعى بيانيّا و بلاغيّا من التعريف و التنكير للتفضيل بين عناصر المفاضلة. و إذا كان تعريف الأسماء يعني تشريف المعرَّف منها و تقديمه على النّكرة فلماذا يُعرّف الخطابُ العسرَ في سورة"الشرح"و يُنكّر اليُسرَ رغم أنّه طلبة المؤمن: [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا (6) ً] [6] ؟ ألم يجعل الرّسول تنكير لفظ"يسر"دليلا على غلبته على"العسر"المعرّف حين قال: (لن يغلب عسر يسرين) [7] ؟ ألم يذكر القرطبي نفسه قول"قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو. و إذا نكروه ثم كرروه فهو غيره. و هما اثنان، ليكون أقوى للأمل، و أبعث على الصبر" [8] ؟

و ثاني القولين هو تأويل واثلة بن الأسقع للآية، و يمثل قوله تصريحا نادرا من الفقهاء بتقديم الوحي للمرأة في بعض المقامات مثلما قدّم الرّجل في أخرى. و الحقيقة أنّ قول واثلة مدعوم من القرآن باعتبار أنّه، فوق تقديمه للنّساء في هذه الآية، قد قبّح تحرّج العربي إن وُلدت له أنثى في الآية: [وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيم (ٌ 58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) ] [9] . إلاّ أنّ المفسّر قد أضرب عن الاحتجاج لقول واثلة رغم رجاحته لغة و تفسيرا.

بيد أنّه لا بدّ من الإشارة - رغم كلّ ما تقدّم - إلى أنّ القرطبي قد التزم بكثير من حقوق النّساء التشريعيّة المرساة في القرآن. إلاّ أنّ مجاراته للموقف العرفي المهين للمرأة قد أفقد هذه الحقوق جانبا هامّا من مقاصدها التي نتصوّر أنّ أهمّها إلغاء تلك المواقف من النّساء و تأكيد شراكتهنّ المادّيّة والاجتماعيّة مع الرّجال. و لقد عبّر الصّحابي عمر بن الخطّاب عن جانب من هذا الموقف العرفي حين"قال: كنّا في الجاهليّة لا نعدّ النّساء شيئا فلمّا جاء الإسلام و ذكرهنّ الله رأينا بذلك لهنّ علينا حقا من"

(1) - سورة يوسف: 12/ 28.

(2) - سورة النساء: 4/ 76.

(3) - القرطبي:"الجامع": ج 5 ص 159 (المسألة 3) .

(4) - سورة الشورى: 42/ 49.

(5) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 8 ص 365 (المسألة الأولى) .

(6) - سورة الشرح: 94/ 5 - 6.

(7) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 10 ص 348 (تفسير سورة الشرح) .

(8) - نفسه.

(9) - سورة النحل: 16/ 58 - 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت