غير أن ندخلهنّ في شيء من أمورنا" [1] . فكان اعترافهم بحقوق النّساء في مجمله صوريّا لم يكد يؤثر في مواقفهم الحقيقيّة منهنّ."
و رغم صرامة أحكام الوحي في إنصاف المرأة فقد سرى ذلك الموقف العرفي إلى تصوّرات القرطبي و سلفه فأقاموا عليه جانبا هامّا من أحكامهم الفقهيّة الخاصّة في النّساء. و لقد صرّح المفسّر بهذه المسألة في مقام تفسيره للفاصلة: [وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ] [2] فقال:"أمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم و صحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس و أهنأ للعيش. و هذا واجب على الزوج و لا يلزمه في القضاء [3] . فرغم اعترافه بأنّ حسن العشرة تكليف إلاهي فقد حيّده عن القضاء و أوكله إلى الزّوج. و بذلك فإنّ القرطبي و سلفه يكونون قد عطّلوا حكما قرآنيّا آخر صريحا فبرّؤوا الرّجال قضائيّا من إساءاتهم إلى زوجاتهم و مهّدوا لهم ذريعة للجور عليهنّ."
و لئن ثبت انحياز الفقهاء المالكيّة إلى الرّجال من دون النّساء رغم موقف الوحي المخالف فقد كان انحيازهم إلى السّادة مقابل المماليك أشدّ. فماهي دواعي هذا التّمييز؟ و ما مدى تأثيره على انسجام الأحكام الفقهيّة مع مقاصد الوحي؟
4 -1 - 1 - 1 - 2 / الرّقيق بين النّصّ و الفقه
يعتبر نظام الرّق ظاهرة بشريّة ضاربة في القدم، و معلوم أنّه قد نتج بالأساس عن التدافع الطّبيعي و البدائي بين الجماعات البشريّة الأولى الذي كان ينتهي في معظم الأحيان بسيطرة جنس على جنس و استرقاقه. و لقد رافق هذا النّظامُ التاريخَ البشريّ إلى أن ألغِي في العصر الحديث إثر التحوّلات الحضاريّة النّوعيّة التي شهدتها الإنسانيّة.
و لقد ذكر القرطبي أنّ أتباع النبيّ موسى من بني إسرائيل هم"أول من اتخذ العبيد و الخدم" [4] ، و بصرف النظر عن صحّة هذه الفائدة التاريخيّة من بطلانها فقد عبّر بها القرطبي في المقام الذي أوردها فيه عن إدانته لبني إسرائيل في التفرّغ للترف و استرقاق الضعفاء من النّاس و تسخيرهم لخدمتهم و متعتهم. و السّؤال هو: أيّ فرق بين اليهود و العرب الذين تلقّوْا نظام الرّقّ و تمسّكوا به و أعانهم الفقهاء على تبريره و تثبيته؟
و لقد أشارت بعض الأخبار إلى أسباب تمسّك العرب الشديد بمماليكهم، أهمّها: أنّ الرّق كان ذريعة لهم لإشباع رغباتهم الجنسيّة، و أنّ سيادتهم لا تتحقق في تصوّرهم إلاّ باسترقاق النّاس، و أنّهم لم يكونوا يحذقون الحرف المعاشيّة أبدا لاعتبارهم أنّ الشغل مهانة للأسياد فأوكلوا ما شق منه إلى الرّقيق واقتصروا على التجارة و تفرّغوا لللهو و القتال و المطامع السّياسيّة.
و تؤكّد أخبار أخرى بأنّ من أهمّ أسباب المواجهة بين النّبيّ و سادة مكّة في بداية الدّعوة: ميلُ الوحي إلى طوائف المستضعفين و استبشاعه لنظام الرّق من خلال دعوته إلى المساواة بين المؤمنين، واستنصار الرّسول بالمماليك على أعداء الدّعوة الأوائل من سادة مكة و حلفائهم.
بيد أنّه رغم انقضاء عهد قريش و سيادتها على مكّة بحلول الإسلام فيها و انتهاء سيادة قوانينها وأعرافها، و استبشاع المسلمين لها لتعبيرها عن القيم الجاهليّة الجائرة، فقد جارى الفقهاء و المفسّرون عرف أسلافهم الجاهليين في امتهان العبيد و التشبّث باسترقاقهم.
فما هي أهمّ مظاهر عدول المالكيّة عن موقف القرآن و السّنّة من المماليك؟ و ما هي دواعيه؟ و ما مدى تأثيره في أحكامهم، خاصّة في مشغل الزّنا؟
? موقف القرآن و السّنّة من الرقيق
لئن لم يُلغ القرآن نظام الرّقّ لتغلغله في العرف العربي القديم و قيام أهمّ الأنشطة العمرانيّة للعرب عليه فقد واجه الاستبداد بالمماليك - في أحكام الزنا خاصّة و الأحكام التشريعيّة عامّة - و ضمن لهم جانبا معتَبَرا من حقوقهم الأساسيّة.
(1) - صحيح البخاري:"كتاب الّلباس"، الحديث رقم 5395."موسوعة الحديث الشريف".
(2) - سورة النّساء: 4/ 19.
(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 3 ص 90 (المسألة 6) .
(4) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 1 ص 383 (تفسير الآية 61 من سورة البقرة) .