كما يتبيّن من عامّة الأخبار و السّير المنسوبة إلى النّبيّ في التعامل مع المماليك موافقته لموقف القرآن منهم. و لئن أكّدت المظانّ على امتلاكه لبعض الرّقيق، كزيد بن حارثة و أنس بن مالك و بعض المملوكات كمارية القبطيّة، فقد ثبت عنه أيضا رفقه بهم، و لم ينسب إليه قطّ أنّه قد أساء إلى أحد منهم أو أفرط عليه، و لم يؤثر عنه أيّ تواطؤ أو موافقة على امتهان المماليك و حطّ منزلتهم، بل لقد صار مواليه في زمنه و بعده من الصّحابة المرموقين.
غير أنّه لئن ذكر القرطبي بعض الأخبار العامّة المعبّرة عن هذه المعاني فقد ترك طائفة منها رغم تواترها في أشهر مصنفات الحديث، التي ثبت اطلاعه عليها، حرصا على تغييب حقوق الرّقيق التي أرساها الوحي و تركها الفقهاء، و باعتبار أنّ ذكرها يعني الاعتراف بها و الإقرار بتهافت المقالات الفقهيّة في هذا المجال.
و لقد أجملنا مواقف الوحي من المماليك في المحاور التالية:
? الحث على العتق: ذكر القرآن عبارة"تحرير رقبة مؤمنة" [1] ثلاث مرّات في آية واحدة وذكر عبارة"تحرير رقبة" [2] مرّتين في سورتين مختلفتين. و لقد اغتنم الوحي أحكام الدّية في القتل والكفارة عن اليمين و ظهار النّساء الواردة في هذه الآيات فاشترط في أداء كلّ منها عتق رقبة. ثمّ سنّ المكاتبة [3] و جعلها ذريعة لتحرير الرّقيق. و إذا اعتبرنا كثرة النوازل المستحقة لهذه الأحكام أدركنا كثرة الرّقيق الذين سيعتقون.
كما جعل القرآن من العتق عملا مرغّبا في النجاة من أشدّ العذاب المرصود بالغيب و هو اقتحام العقبة، فقال: [فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) ] [4] . و لقد نقل القرطبي في تفسير هذه الآيات عن"ابن عمر: هذه العقبة جبل في جهنم .. و قيل: النار نفسها هي العقبة" [5] فاشترطت الآيةُ العتقَ للخلاص الأكبر.
و لقد أكّد الرّسول هذا المعنى و فصّله في عدد من الأخبار المنسوبة إليه منها ما أخرجه"الدارقطني عن البراء قال: جاء رجل إلى النّبيّ (ص) فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: (لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتِق النسمة و فُكَّ الرقبة) . فقال: يا رسول الله، أو ليستا واحدا؟ قال: (لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها و فك الرقبة أن تعين في ثمنها) [6] ."و في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص) قال: (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه) . و في الترمذي عن أبي أمامة .. قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرئا مسلما، كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوا منه، و أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها) " [7] . و إذا علمنا أنّ القرآن قد رسم الدّنيا في صورة دار ابتلاء فانية لا يُراد منها إلاّ جنّة الآخرة الخالدة أدركنا أهمّيّة العتق في تبليغ المسلم هذه الغاية."
و"عن ابن عبّاس أنّه قال: قال رسول الله (ص) يوم الطّائف: من خرج إلينا من العبيد فهو حرّ فخرج عبيد من العبيد" [8] ."فهؤلاء قد أعتقهم النّبيّ (ص) بخروجهم إلى دار الإسلام" [9] . ورغم المغزى السّياسي لتصرّف الرّسول لما فيه من دعم لجماعته و إضرار بالمصالح الاجتماعيّة و العسكريّة للخصوم فإنّه يمثل ثورة واضحة على نظام الرّق لأنّ صدور هذه الدّعوة من مثله يمثل ذريعة للرّقيق كي يأبقوا من الرّق، و يمثل في الآن ذاته هجوما صريحا على ذلك النظام العرفي / الاجتماعي العربي المكين، كما أنّه يشير إلى إمكانيّة ارتفاع الرّقّ بالإسلام، خاصّة إن كان المالك كافرا. و تشير الأخبار إلى أنّ الرّسول قد ثبت على موقفه من المماليك إلى يوم وفاته، نقل أحمد بن حنبل"عن عليّ .."
(1) 1 - سورة النساء: 4 / الآية 92.
(2) 2 - سورة المائدة: 5 / الآية 89. و سورة المجادلة: 58/ 3.
(3) - سورة النور: 24 / الآية 33.
(4) - سورة البلد.
(5) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 10 ص 314 (تفسير الآية 11 من سورة البلد) .
(6) - نفسه: ج 4 ص 513 (تفسير الآية 60 من سورة التوبة، المسألة 17) .
(7) - نفسه: ج 10 ص 314 (تفسير الآية 11 من سورة البلد) .
(8) - أحمد بن حنبل:"مسند بني هاشم"، الحديث رقم 2007."موسوعة الحديث الشريف".
(9) -"مدوّنة سحنون": ج 1 ص 564 (كتاب الجهاد) .