الصفحة 48 من 63

قال: كان آخر كلام رسول (ص) : الصّلاة الصّلاة! اتقوا الله في ما ملكت أيمانكم" [1] . فقرن الصّلاة باعتبارها أهمّ شعيرة إسلاميّة بالإحسان إلى الرّقيق."

? الحث على نكاح المماليك: رغم أهمّيّة المناكح عند العرب في ضمان نقاوة النّسب و اتصاله فقد ساوى القرآن فيها بين السّادة و رقيقهم. و لقد استخدم الخطاب أسلوب التدرّج في تحقيق هذا الهدف التشريعي ففضل في سورة البقرة نكاح المماليك المؤمنين على نكاح الأحرار من المشركين: [وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ اللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] [2] ، ثمّ حث الفقراء من المسلمين في سورة النساء على نكاح الإماء [3] ، و انتهى في سورة النور إلى أمر المؤمنين بنكاح أو إنكاح الرّقيق، بحسب القراءة [4] : [وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] [5] . كما أنّ القرآن قد حرص على منح المملوكات جانبا هامّا من حرّيّتهنّ الجنسيّة ساعة نهى عن إكراههنّ على الزّنا [6] .

و لقد ورد"في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول الله (ص) قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه و أدرك النبي(ص) فآمن به و اتبعه و صدقه فله أجران و عبد مملوك أدى حق الله عز وجل و حق سيده فله أجران و رجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها ثم أعتقها و تزوجها فله أجران) [7] . و نلاحظ في آخر قول النّبيّ أنّه يفضل الوطء بالزواج على الوطء بملك اليمين من خلال ترغيبه في عتق الإماء و الزّواج منهنّ. و يتبيّن منه أيضا حثه على إعداد الرّقيق للحياة الطبيعيّة ثمّ دمجهم فيها بوهبهم حرّيّتهم، و يؤكّد هذا الموقف أنّ النّبيّ لا يعتبر الرّق نظاما طبيعيّا ثابتا، و لا يريد له الاستمرار."

و يدلّ عندنا حثُّ الوحي للأحرار على نكاح المماليك على أنّه يساوي بينهم جميعا في الإنسانيّة إن توفرت فيهم شروط الإيمان، بل لقد نُسب إلى النّبيّ إنباؤه بأنّ"أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة عبد أسود و ذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى قومه فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود" [8] . و لو كان الرّق يحطّ من شأن المماليك لما بشرهم النّبيّ بشرف السّبق في دخول الجنّة.

? الحث على الإحسان إلى المماليك: حدّد القرآن في آيتين [9] الفئات التي وجب على المسلمين التصدّق عليها، و هما قوله: [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَ لَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَ الْيَوْمِ الآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتَابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقَابِ وَأ َقَامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكَاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون] ، وقوله: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ] . فجعل الصّدقة بالأساس"في الرّقاب"باعتبار أنّه رغم تبدّل بعض طوائف المستهدفين بالصّدقة بين الآيتين فقد حضر الرّقيق في كلتيهما تأكيدا.

كما"خرّج أبو داود عن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص) : من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون و اكسوه مما تكتسون و من لا يلايمكم منهم فبيعوه، و لا تعذبوا خلق الله. وروى مسلم عن أبي هريرة .. عن النبي (ص) قال: للمملوك طعامه و كسوته و لا يكلف من العمل إلا ما"

(1) - أحمد بن حنبل:"مسند علي بن أبي طالب"، الحديث رقم 552."موسوعة الحديث الشريف".

(2) - سورة البقرة: 2/ 221.

(3) - سورة النساء: 4/ 25.

(4) - سورةالنور: 24/ 32. و إنّنا لنقرّ بنسبيّة فرضيّتنا في القول بتدرّج القرآن في إرساء بعض الأحكام باعتبار ما بيّنّاه من عدم انتظام جميع الآيات و السّور بحسب زمن النّزول، و إنّما نستند في هذه الفرضيّة إلى استقراء المنطق المستحكم في الأحكام المتعدّدة للمسألة الواحدة، و ترجيح نظام نزولها.

(5) - سورة النور: 24/ 32.

(6) 1 - سورة النساء: 4/ 25.

(7) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 7 ص ص 263 - 264. (تفسير الآية 55 من سورة القصص، المسألة الأولى) .

(8) - نفسه: ج 7 ص 33 (تفسير الآية 38 من سورة الفرقان) .

(9) - هما قوله:. سورة البقرة: 2/ 177، و قوله:. سورة التوبة: 9/ 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت