الصفحة 49 من 63

يطيق" [1] . و يؤكّد هذا الخبر حرص الرّسول على ضمان الحقوق الأساسيّة للمماليك و سدّ الذرائع أمام الإفراط عليهم و امتهانهم."

و الواقع أنّ الوحي قد رسم بِحَثِّهِ و تشجيعه على العتق استراتيجيّة طموحا كان يمكن أن تنتهي - لو نُفّذت - إلى تحرير معظم المماليك منذ القرون الهجريّة الأولى و ضمان حقوق الباقين حتى تتيسّر لهم أو لعقبهم إحدى سبل العتق العديدة. إلاّ أنّ الفقهاء لم يحثوا على هذا العمل الحاسم بما يعدل ثوابه الموعود، و أكثروا مقابل ذلك من الحث على ترك الزّنا رغم أنّه خطيئة لا تمنع من التوبة و لا تُبْلِسُ من المغفرة و لا تُخرج من الإيمان. و يعود هذا الأمر بوضوح إلى تأثير العرف النافر من الزّنا و المتمسّك بالرّقّ. فما هي أهمّ مظاهر عدول الفقهاء بهذه الاستراتيجيّة المقدّسة عن مسارها؟

? الموقف العرفي / الفقهي من الرّقيق

لئن أوهم ما نقلناه عن القرطبي و سلفه من أخبار نبويّة، بخصوص حقوق الرّقيق و مكانتهم في الوحي، بأنّهم يوافقون منهج الرّسول في التعامل مع الرّقيق فقد أظهرت ممارستهم للتشريع لهذه الطّائفة أنّ مجاراتهم لمقاصد الوحي كانت في الغالب سطحيّة و شكليّة، و لم تنفذ إلاّ في بعض المسائل الفرعيّة البسيطة، و خاصّة في المسائل التي تعالقت فيها مصلحة المملوك مع مصلحة سيّده كأحكام الغصب التي قُضِيَ في بعضها بإضافة الدّيّة التي يقبضها السّيّد إلى الحدّ.

و من الأدلّة على هذه المزاعم أنّ القرطبي لئن لم ير بدّا من نقل تلك الأخبار في مقام تفسير آيات المماليك لتواترها و موافقتها الصّريحة للخطاب القرآني فقد عدل عن معظمها في المقامات الأخرى التي جعلها مناسبات لإرساء أحكام الرّقيق، فأحيا كرّة أخرى الأحكام العرفيّة و غلّبها على مقاصد الوحي محتجّا بموافقتها له في المبدإ و المنطلق المتمثل عنده في المصلحة الكامنة في العرف و إن ألغاه القرآن. و إنّ الشواهد على مزاعمنا هذه من الكثرة بمكان، فاختصرناها و فرّعناها إلى ثلاثة محاور هي:

أ - مكانة المماليك عند المالكيّة:

أشرنا في مقام عرضنا لموقف الوحي من المماليك أنّه قد اعتبر الرّق صفة عرضيّة في الإنسان، و أنّه لا يفقد بمقتضاها إنسانيّته، و أنّها لا تُقدّم السّادة على المماليك في درجات الإيمان، و لا تكاد تؤخرهم عنهم في المكانة الاجتماعيّة باعتبار ما ضمنه لهم الوحي من حقوق. غير أنّ المقالة الفقهيّة قد حطّت الرّقيق إلى دركة دون هذه الدّرجة. و لقد عبّر القرطبي عن هذا الموقف في سياقات عديدة فاستخلصنا منه الآتي:

? قال القرطبي في تفسير الفاصلة [وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] [2] :"اختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد، فروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) : (للعبد المملوك المصلح أجران) و الذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله و الحج و بر أمي لأحببت أن أموت و أنا مملوك. و روي عن ابن عمر أن رسول الله (ص) قال: (إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين) . فاستدل بهذا و ما كان مثله من فضل العبد لأنه مخاطب من جهتين: مطالب بعبادة الله، مطالب بخدمة سيده. استدل من فضل الحر بأن قال: الاستقلال بأمور الدين و الدنيا و إنما يحصل بالأحرار و العبد كالمفقود لعدم الاستقلال، و كالآلة المصرفة بالقهر، و كالبهيمة المسخرة بالجبر، و لذلك سلب مناصب الشهادات و معظم الولايات و نقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار، و الحر و إن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر، و عناؤه أعظم فثوابه أكثر. و قد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: لولا الجهاد و الحج، أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور" [3] .

و لئن أقرّ المفسّر باستناد القول الأوّل، المفضل السّنّة للرّقيق على السّادة، إلى السّنّة فقد أسنِد القول الثاني بآراء و ترجيحات عقليّة / فقهيّة. و علّة ذلك هي خلوّ الوحي من أيّ نصّ أو إشارة تتهم العبيد أو تقدّم عليهم مالكيهم. و لقد اتصفت هذه الحجج - فضلا عن مخالفة الوحي - بالعموميّة، و افتقدت

(1) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 171 (تفسير الآية 36 من سورة النساء، المسألة 14) .

(2) - نقصد سورة النساء: 4 / الآية 36.

(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 172 (تفسير الآية 36 من سورة النساء، المسألة 16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت