الصفحة 50 من 63

أدنى مؤيّدات المنطق و العدالة، و ناقضت في الآن ذاته ما ذكرناه من أقوال و تأويلات نقلها القرطبي نفسه. و تتجلّى هذه الطّعون في الملاحظات الآتية:

-نفى القائلون بأفضليّة السّادة على المماليك أيّ دور إنسانيّ حقيقيّ لهذه الفئة، في كلّ مجالات الحياة، و اعتبروهم أقلّ تكليفا و عناء من مالكيهم. و يؤكّد - مقابل ذلك - التاريخُ المتواتر عند الفقهاء أنفسهم أنّ العبيد كانوا ينهضون بأشق المهامّ العسكريّة و الاقتصاديّة في المجتمعات الإسلاميّة القائمة على نظام الرّق، و أنّ تكليف السّادة لم يكن في الأصل سوى تشريف لهم و تمكينا من السّلطة و المال والحظوة أغنتهم عن العناء الذي وصفهم به المفسّر و سلفه. و حاصل الأمر أنّه لو أقيمت المفاضلةعلى أساس أهميّة الدور الحضاري للسّادة و المماليك فسيفضل العبد سيّده و الأمة مولاتها.

-رجّحنا في الفصل الأولّ أنّ سبب تنصيف عقوبة الزّنا للإماء في القرآن هو بالأساس فقدانها للحريّة و إمكانيّة تعرّضها للإكراه على الوطء، و بيّنّا موافقة القرطبي لفهمنا ساعة اعتبر في تفسير الآية المتضمّنة للحكم [1] أنّ"الفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من الحرائر. و يقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. و قيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة" [2] . إلاّ أنّه سرعانما انقلب على نفسه في تفسير إحدى آيات السّورة ذاتها [3] و اعتبر أنّ سبب تنصيف القرآن للعقوبة هو سعيه لإشعار المسلمين"بخسة مقدار"الرّقيق، و لقد أكّدنا خلوّ القرآن التّامّ من أمثال هذه المقاصد.

-جعل المفسّر من قول أبي هريرة الشاهد على حظ العبيد في عالم الغيب الآجل دليلا على تقدّم السّادة عليهم محتجّا بعدم كفاءة المماليك في أداء الشهادات، و بسقوط فريضتي الحجّ و الجهاد عليهم رغم أنّهما مفروضتان في الأصل - كما سيأتي - على كلّ المؤمنين دون تخصيص.

? قال القرطبي:"فهم المسلمون من هذه الآية .. [ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَ مَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ] [4] . نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك، و أنه لا يملك شيئا و إن ملك. قال أهل العراق: الرق ينافي الملك، فلا يملك شيئا البتة بحال .. و منهم من قال: يملك إلا أنه ناقص الملك، لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء، و هو قول مالك و من اتبعه، و به قال الشافعي في القديم. و هو قول أهل الظاهر" [5] .

فجعل هذه الآية حجّة على تأخر مرتبة المماليك عن مواليهم، و أحد المستندات الأساسيّة لأهمّ الأحكام الفقهيّة الجائرة على حقوق الرّقيق، رغم أنّها لا تعدو أن تكون مثلا ضربه الوحي للكناية عن العجز البشري مقابل المقدرة الإلهيّة، و رغم إيحاء السّياق الذي ورد فيه هذا المثل بأنّ الخطاب قد صوّر في الآية واقع المماليك دون أن يعبّر عن تواطئه عليه، وتؤكّد الآيات المشرّعة لحقوق الرّقيق هذا الظنَّ، و يؤكّده منهج القرآن العامّ في حصر المفاضلة بين النّاس في الإيمان، و في إقامة واجباتهم تجاه الدّين من دعوة و جهاد و إنفاق.

و من أهمّ أحكام الرّقيق التي نسبها القرطبي إلى فهم المسلمين لمقاصد هذه الآية: منع المماليك من حق الملكيّة و إسناد كلّ ما يملكونه إلى أسيادهم، فحرموهم حتى من نصيبهم في غنائم الحروب التي يشتركون فيها: قال سحنون:"قلت: أرأيت الصّبيان و العبيد هل يُضرب لهم في الغنيمة بسهم إذا قاتلوا في قول مالك؟ قال: لا" [6] .

و الواقع أنّه لا يوجد في القرآن ما يبرّر هذا الحكم المجوّز للسّادة حيازة أموال رقيقهم، بل إنّه يحتوي على ما يعارضه بوضوح، فقد وردت آيتان [7] صريحتان حرّمتا على المؤمنين أكل الأموال بينهم بالباطل دون أن تستثنيا تعامل السّادة مع مماليكهم.

(1) - سورة النساء: 4/ 25.

(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 132 (المسألة 19) .

(3) - سورة النساء: 4/ 25.

(4) - سورة النحل: 16/ 75.

(5) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن".

(6) -"مدوّنة سحنون": ج 1 ص 575 (كتاب الجهاد) .

(7) - سورة البقرة: 2/ 188، و سورة النساء: 4/ 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت