فهرس الكتاب
و يبدو أنّ غاية الفقهاء الأساسيّة من حرمان الرّقيق من التملّك هي إعجازهم عن المكاتبة لأنّه لو تُرك للمماليك حق امتلاك المال لكان تحصيله الهدف الأوّل لمعظمهم ابتغاء العتق. فسدّ الفقهاء عليهم هذه الذريعة حفاظا على مصالح الأسياد الكامنة عندهم في استرقاق النّاس. و يؤكّد تواطؤ"أهل الظاهر"مع الفقهاء على الحكم - رغم خلوّ النّصّ منه ظاهرا و باطنا - مدى تغلغل نظام الرّق في المجتمعات الإسلاميّة، فرغم أنّ المذهب الظاهري قد نشأ بالأساس لحسم الاختلافات الفقهيّة بردّ الأحكام إلى ظاهر بيان القرآن فقد اضطرّ أصحابه إلى مجاراة الموقف العرفي العتيد.
و لقد ختم القرطبي حديثه السّابق بالقول: و فائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين" [1] . و رغم عدم وضوح مقصد القرطبي في تعيين من يطأ الجارية بملك اليمين هل هو السّيد أم العبد؟ فإنّنا نرجّح أنّه قد قصد جواز اشتراكهما في وطئها، العبد لأنّه قد ملكها و السّيّد لأنّه يملك عبده و كلّ ما يملكه ذلك العبد. و لو يصحّ هذا الفهم فستكون الغاية الأساسيّة من كلّ أحكام الرّقيق المستنبطة من الآية هي إثبات جواز مشاركة السّيّد لعبده في جاريته التي وهبها له. و تؤكد هذه المسألة - لو ثبتت - أنّ الموقف الفقهي من الرّقيق و النّساء على السّواء يستهدف بالأساس التوسعة على السّادة في الوطء و تجنيبهم حدّ الزّنا بإجازة ما فسد من مناكحهم و تبرير نزواتهم. فكانت الأداة الأساسيّة للفقهاء و المفسّرين في تحقيق هذا الهدف هي تجريد الطائفتين من الحريّة في الوطء، النساء و الرّقيق، وتحميل المرأة وزر الفاحشة."
و يخالف ما فهمناه من هذه"الفائدة"بوضوح الحكم القرآنيّ الموافق للعرف و القاضي بتحريم خلط الأنساب باعتبار أنّ تمكين السّيّد من مشاركة مملوكه في جارية واحدة سيفضي في الغالب إلى ضياع نسب الوليدة أو الوليد بينهما، و يناقض أيضا قول المفسّر نفسه بأنّ"الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين" [2] .
? أكثر سحنون و ابن القاسم في"المدوّنة"من قياس العبيد على الدّواب خاصّة في مجالات المعاملات التجاريّة [3] . و لم ينكر القرطبي عليهم هذا المبدأ أبدا، بل أيّده في مقامات عدّة منها ما قاله في تفسير قضيّة لغويّة:"يجوز أن يتناول العبيد و الدواب إذا اجتمعوا" [4] ، و منها ما نقله في تفسير الآية: [كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ] [5] عن"عبد الرحمن بن حميد: المحروم المملوك. و قيل: إنه الكلب" [6] ، و منها قوله الذي ذكرناه سابقا:"العبد كالمفقود لعدم الاستقلال وكالآلة المصرفة بالقهر وكالبهيمة المسخرة بالجبر" [7] .
و يتناقض هذا الموقف مع أحد المبادئ القرآنيّة الأساسيّة و هو المساواة بين المؤمنين و تكريم كلّ بني آدم دون تخصيص [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا] [8] . غير أنّ رسوخ إيمان الفقهاء بنظام الرّق التليد قد أغفلهم عن مقاصد النّصّ و دفعهم إلى المغالاة في الحطّ من شأن الرّقيق حتى نفوا عنهم إنسانيّتهم و اعتبروهم بضاعة وأدوات عمل و متعة.
? رغم ما بيّنّاه من أمر النّصّ للنّساء المؤمنات بالاحتجاب [9] توقّيا من الزّنا، و رغم موافقة عامّة المقالات التفسيريّة و الفقهيّة الواردة في تفسير القرطبي للقرآن في هذه المسألة فقد انقلب هذا الموقف مع الإماء بشكل كلّيّ و لافت، قال القرطبي في مقام تفسيره لقوله. [َيَا بَنِي آدمَ قدْ أنزلنَا عليكمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشًا وَ لِبَاسُ التقوَى ذلك خيرٌ ذلك مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] [10] ."أما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها، و لها أن تبدي رأسها و معصميها. و قيل: حكمها حكم الرجل. و قيل:"
(1) - القرطبي: نفسه.
(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 112 (سورة النساء: 4/ 24، المسألة 2) .
(3) - انظر مثلا:"كتاب الغصب"، ج 4 ص ص 200 - 201.
(4) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 5 ص 376. (سورة الحجر: 15/ 20) .
(5) - سورة المجادلة: 58/ 17.
(6) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 9 ص 37 (سورة الذاريات: 51/ 17، المسألة 5) .
(7) - نفسه: ج 3 ص 172 (تفسير الآية 36 من سورة النساء، المسألة 16) .
(8) - سورة الإسراء: 17/ 7.
(9) - سورة"النور": 24/ 31.
(10) - سورة الأعراف: 7/ 26.