الصفحة 52 من 63

يكره لها كشف رأسها و صدرها. و كان عمر .. يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن و يقول: لا تشبهن بالحرائر. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. و هذا خارج عن أقوال الفقهاء لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة و يداها و وجهها مكشوف .. فالأمة أولى" [1] ."

و يمثل هذا النّصّ في الحقيقة انقلابا على جملة من المسلّمات و المبادئ الفقهيّة الأساسيّة في مشغليْ الزّنا و آداب الصّلاة، و على مقاصد الخطاب القرآني المعمّم للحجاب على جميع المؤمنات. ويشير دحض القرطبي لأقوال مخالفي هذا المذهب إلى أنّه قد واطأ الجماعة عليه.

و لم يكتف المفسّر و سلفه بتجويز انكشاف الأمة في سائر أحوالها و إنّما جوّزوه لها أثناء أداء شعيرة الصّلاة رغم ما يُحيط بها من قداسة و ما يُشترط في إقامتها من آداب لعلّ من أهمّها ستر العورة للنّساء و للرّجال [2] . و لكن كيف يمكن أن تقام الصّلاة بنساء شبه عاريات؟ ألا يعتبر ذلك ذريعة ملحّة للزنا؟

و لقد مثلت سيرة الخليفة عمر بن الخطاب بضرب من تغطّي رأسها من الإماء حجّة على هذا الحكم. غير أنّه لئن دلّ احتجاب المملوكات على فهمهنّ الوجيه لما بيّنّاه من عموم خطاب آية الحجاب في كلّ نساء المؤمنين فقد فارق الصّحابي مقصد النّصّ الصّريح و خصّصه في الإماء و أجبرهنّ على الانكشاف ترويجا لهنّ باعتبارهنّ سلعة تقتضي العرض و الإشهار، و حفاظا على طبقيّة المجتمع التي سعى الوحي إلى القطع معها.

و يبدو أنّ عبد الرّحمان بن القاسم قد بنى حكمه في تجريد الرّقيق عند البيع على هذا المبدإ، قال:"و الرّقيق قد تُجرّد في الشراء" [3] . و لئن استثنى الفرج في قوله:"و الفرج ليس ممّا يُجرّد في الشراء" [4] فقد أجاز سائر الأعضاء المحرّمة من المرأة، و تشهد هذه المسألة على ظاهرة تغليب الفقهاء المالكيّة للمصلحة على النّصّ باعتبار أنّ ابن القاسم قد حمى السّيّد من العيوب التي قد تكون في العبد أو الأمة، رغم تحريم القرآن لكشف العورات خاصّة على النّساء باعتبار ما بيّنّاه من عموم خطابه لهنّ في الحرائر و الإماء.

? قال القرطبي في تفسير الفاصلة [وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا] [5] ."فسمي المملوك .. عبدا لتذلّله لمولاه" [6] . و نلاحظ أنّ هذا التعريف يجعل علاقة العبد بسيّده مطابقة لعلاقة المؤمن بالله. و لكن ألا يعتبر ذلك من المنظور الكلامي و العقدي شركا بالله؟

غير أنّ هذا الاصطلاح (العبد) قد ورد متناقضا مع قول نسبه القرطبي نفسه إلى النّبيّ و احتجّ له:"قال عليه السلام: (لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي) .. فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم، إذ الكل عبيد الله" [7] . و رغم كلّ ما تقدّم و ما سيأتي بيانه من مواطأة المفسّر لسلفه على وضع العبيد و استنقاصهم فقد انتهى إلى الاعتراف بتساوي السّادة و المماليك في نظر الذات الإلهيّة الواجب التّأسّي بها

و لئن خالف القرطبي وسلفه مقاصد الوحي في هذه المسائل و حمّلوه ما لا يحتمل من التّأويل فقد وافقوا أنفة العربيّ من تقدّم العبد عليه. و يبدو أنّ هذا الموقف العرفي قد كان السّبب الحقيقيّ لنشوب معركة حروراء التي شنّها عبد الله بن الزّبير و من معه من أشراف العرب على المختار الثقفي الذي اعتمد في عصبيّته على الرّقيق و الموالي. و يبدو أنّ ابن الزّبير و من معه من الأشراف قد وجلوا من

(1) - القرطبي:"الجامع": ج 4 ص 160 (المسألة الأولى) .

(2) - راجع تفسير القرطبي للآية 131 من سورة الأعراف.

(3) -"المدوّنة"ج 3 ص 207، (كتاب البيعيْن بالخيار) .

(4) - نفسه.

(5) - سورة البقرة: 2 / الآية 23.

(6) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 1 ص 223.

(7) - نفسه: ج 3 ص 171 (تفسير الآية 36 من سورة النساء، المسألة 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت