فهرس الكتاب
تحزب الرّقيق المفضي في تقديرهم إلى طلب الحكم [1] ، و رفضوا تقدّمهم في السّياسة حتى لا يكون ذريعة لهم لطلب الحرّيّة لأنفسهم و لغيرهم من المماليك.
ب - عدالة الرّقيق في الفقه المالكي:
انتهى موقف الفقهاء المنتقص من المماليك إلى إبطال عدالتهم في الشهادات. و لقد ذكرنا جانبا من ممارسة المالكيّة لهذا المبدإ في"المدوّنة"و"الجامع"، و نعرض في هذا المقام نصّين جامعين عبّر فيهما القرطبي عن جانب هامّ من موقف سلفه من عدالة الرّقيق و سعى إلى البرهنة عليه.
? قال القرطبي في تفسير الفاصلة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ] [2] ."قوله تعالى: [مِنْ رِجَالِكُمْ] نص في رفض الكفار و الصبيان و النساء، و أما العبيد فاللفظ يتناولهم. و قال مجاهد: المراد الأحرار، و اختاره القاضي أبو إسحاق و أطنب فيه. و قد اختلف العلماء في شهادة العبيد، فقال شريح و عثمان البتي و أحمد وإسحاق و أبو ثور: شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا، و غلّبوا لفظ الآية. و قال مالك و أبو حنيفة والشافعي و جمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد، و غلبوا نقص الرق، و أجازها الشعبي و النخعي في الشيء اليسير. و الصحيح قول الجمهور، لأن الله تعالى قال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ] و ساق الخطاب إلى قوله [مِنْ رِجَالِكُمْ] فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون، و العبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة" [3] .
و لئن اعترف المفسّر بدلالة لفظ الآية على جواز شهادة العبيد و ذكر تجويز طائفة من الفقهاء لشهادتهم فقد رجّح تأويل شيخه و الجمهور بإسقاط شهادة الرّقيق محتجّا بما بيّنّا فساده من حرمان الرّقيق من التملّك. و لكن هل توجد في العبيد عيوب خاصّة يمكن أن تكون ذريعة لردّ شهاداتهم؟ و هل"لنقص الرّق"تأثير - إن ثبت - على عدالة الشهادة؟ إنّ الشهادة لا تقتضي منطقيّا سوى المعاينة الواضحة للحدث و عرضه على القاضي بأمانة، و هي شروط تتساوى إمكانيّات توفُّرِها للرّقيق و السّادة، و لا تأثير للرّق فيها.
و لقد حرص القرطبي - كعادته في الاستدراك - على تثبيت هذا الحكم في مقام آخر فذكر استدلال:"بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله وَ لَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَ الأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] [4] فقال:"جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية، و ذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة، لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه، و لا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة" [5] . غير أنّ هذا التأويل لا يقلّ ضعفا في الواقع عن سابقه باعتبار أنّ الآية لم تخصّص الخطاب في الحكّام و إنّما هي عامّة في المؤمنين تدعوهم إلى فضيلة الصّدق في الشهادة. و حتى إن فرضنا جواز هذا التخصيص فإنّه لا يوجد في القرآن أيّ نصّ صريح يحرّم تقدّم العبيد للوِلاية، بل لقد راج عن الرّسول قوله في إحدى مواعظ الوداع:"عليكم بالطّاعة و إن عبدا حبشيّا" [6] ."
ج - مبدأ تسخير الرّقيق لمالكيهم:
يبدو من خلال"المدوّنة"و"الجامع"أنّ الفقهاء المالكيّة يختصرون أدوار الرّقيق في مبدإ التسخير، فاعتبر القرطبي أنّ المملوك"مسخر بإرادة سيده" [7] أي متفرّغ له يستخدمه وقتما شاء فيما شاء و كيفما شاء. و لئن ضمن هذا المبدأ للسّادة مصالحهم و سلبَ من الرّقيق أدنى درجات الحرّيّة فقد
(1) -"تاريخ الطبري": ج 3 ص 1153.
(2) - سورة البقرة: 2/ 282.
(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 2 ص ص 232 - 233، (المسألة 26) .
(4) - سورة النساء: 4/ 135.
(5) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 3 ص 359 (المسألة 10) .
(6) - نفسه: ج 4 ص 123، سورة الأنعام: 6/ 153، المسألة 14).
(7) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن".