الصفحة 54 من 63

اضطرّ الفقهاء، في تطبيقه على الأحكام، إلى استثناء المماليك من بعض تكليفات الوحي الأساسيّة والعامّة في كلّ فئات المؤمنين.

و لقد فصّل القرطبي مبدأ التسخير في مقام تفسيره للآية: [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ] [1] فقال:"أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى: [وَ لله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ] عام في جميعهم مسترسل على جملتهم. قال ابن العربي:"و إن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرهم و أنثاهم، خلا الصغير فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف، و كذلك العبد لم يدخل فيه لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالى في التمام: [مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] و العبد غير مستطيع لأن السيد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة. و قد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد و مصلحة لهم. و لا خلاف فيه بين الأمة و لا بين الأئمة، فلا نَهْرِف بما لا نعرف، و لا دليل عليه إلا الإجماع .. و قال أبو عمر: خالف داود جماعة فقهاء الأمصار و أئمة الأثر في المملوك و أنه عنده مخاطب بالحج، و هو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالى: [وَ لله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] بدليل عدم التصرف، و أنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده، كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ] [2] .. عند عامة العلماء إلا من شذ" [3] . و"قال أصحابنا: لا تجب عليه عبادات الأموال من زكاة وكفارات، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك" [4] ."

و تكشف هذه الأقوال بوضوح ظاهرة تحكيم الفقهاء لمبدإ التسخير في أحكام النّصّ القاطعة. غير أنّ حججهم لم تخل من طعون بيّنة، أهمّها:

-رغم أهمّيّة الحجّ و صلاة الجمعة و الجهاد باعتبارها شعائر و تكليفات قرآنيّة أساسيّة و عامّة في المؤمنين يتميّزون بها عن غيرهم من أهل الكفر فقد رفعها الفقهاء عن الرّقيق دون مستند من الوحي. غير أنّهم قد سعوا إلى تفادي غياب الحجّة على هذا الحكم بإجماع نادر من أهل الفقه على مبدإ"مطلق العمومات"الذي لم يجمعوا عليه أبدا، فاتفق الأمّة و الأئمّة على استثناء الرّقيق من الخطاب العامّ للآيات المتضمّنة لأحكام الحجّ و الجمعة و الجهاد.

و الواقع أنّنا لم نجد لهذا الإجماع النّادر من مبرّر سوى انفعال الفقهاء بواقعهم و استجابتهم لمقتضيات العقد العرفي بتسخير المماليك للسّادة. غير أنّه رغم إخبار القرطبي و ابن العربي بعموم الإجماع على هذه المسألة فقد وردت في هذه الأقوال إشارتان تضعف ادعاءهما، و هما: معارضة"داوود"لاستثناء الرّقيق من أداء شعيرة الحجّ من جهة، و من جهة أخرى اعتراف القرطبي بوجود أقوال شاذة - لم يذكرها - تعارض مسألة رفع فريضة الجمعة عنهم. و تؤكّد هذه المسألة ما أشرنا إليه في الفصل السّابق من قضايا تضعف حجّيّة الإجماع.

-ذكر ابن العربي أنّ غاية الوحي من تقديم السّادة على الرّقيق هي الرّفق بالعباد و رعاية مصالحهم، و أكّد القرطبي هذا المعنى ساعة اعتبر أنّ الله قد"سخر بعضهم لبعض و ملك بعضهم بعضا إتماما للنّعمة و تنفيذا للحكمة" [5] . فأجمع المفسّران على أنّ الحكمة من مبدإ التسخير هي حفظ مصالح النّاس وتحقيق منافعهم. و لكن ما هي مصلحة الرّقيق من هذا المبدإ؟ ألا يجب النظر إلى مصالحهم باعتبارهم قد تكافؤوا مع مواليهم في الإيمان و الإنسانيّة؟ و إن كان الرّقّ يضمن كلّ هذه المنافع و المصالح التي يدّعيها الفقهاء و المفسّرون فلماذا يحث الوحي و يلحّ على إلغائه؟

و يؤكّد كلّ ما تقدّم انقلاب جانب هامّ من المقالات الفقهيّة و التفسيريّة المالكيّة على موقف الوحي من النّساء و المماليك و أحكامه فيهم، و ترجيح العرف الجائر بوضوح عليهم بداعي مراعاة المصلحة. فآل بهم هذا الموقف المنفعل بالواقع الموضوعي الذي ألغاه الوحي إلى اتهام المرأة بالتسبّب في الزّنا رغم

(1) - سورة آل عمران: 3/ 97.

(2) - سورة"الجمعة": 62/ 9.

(3) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن": ج 2 ص ص 506 - 507 (المسألة 2) .

(4) - نفسه: ج 5 ص 496 (سورة النحل: 16/ 75. المسألة 2) .

(5) - نفسه: ج 3 ص 171 (النّساء: 4/ 36، المسألة 14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت