فهرس الكتاب
رغم أنّهما من مرتبته باعتبار انشغالهما و أمثالهما عن طلب المعاش بالبحث و الرّواية و التصنيف و التدريس، و تصلّبهم مع السّلطان المخالف عندهم لأحكام النّصّ في معظم أحواله.
و ثانيهما عامّ و يتمثل في أنّ هذه الصّفقة قد أتاحت له تحقيق الهدف العامّ من الفقه و هو الاحتفاظ بإمامة النّصّ لعامّة المسلمين عبر وضع تشريع فقهيّ يضبط لهم واقعهم و يدّعي استحضار مقاصد الشارع المقدّس.
غير أنّه لئن تنازل الفقيه للسّلطان في ما يخصّه من أحكام فقد اضطرّ - كما بيّنّا - إلى مواجهة واقع أشدّ منه و هو العرف المستحكم في البناء النفسي و الاجتماعي للعرب، فانتهت هذه المواجهات غالبا بتسليم الفقيه بمقتضيات واقعه و حمل شرائع الوحي على موافقتها بواسطة أدوات فقهيّة متنوّعة.
4 -2 / أدوات الفقيه في تطويع النّصّ للواقع
واجه الفقهاء إذن انغلاق النّصّ مقابل تطوّر العمران الإسلامي و تنوّعه، بفضل الفتوحات والمثاقفة مع أهمّ الحضارات، باستنباط أدوات فقهيّة متنوّعة أتاحت لهم تمرين الأحكام و تطويعها حتى تتوافق مع مذاهبهم و تصوّراتهم الفقهيّة / التشريعيّة.
و لقد أجمعت المذاهب الفقهيّة السّنّيّة على معظم هذه الأدوات فاستغلّتها كلّ طائفة بأسلوبها الخاصّ حتى تتوافق مع خصائص القطر أو الجماعة التي تشرّع لها. غير أنّ التنوّع العمراني الإسلامي قد أحوج الفقهاء من معظم المذاهب و الملل إلى استنباط وسائل خاصّة بهم كمبادئ المصالح و سدّ الذرائع و عمل أهل المدينة التي اشتهر بما مالكٌ و أورثها لأتباعه، و الاستحسان الذي أرساه الأحناف. بيد أنّ ذلك لم يمنع المذاهب من أن تمتح من وسائل بعضها كموافقة أبي حنيفة لمالك في ترجيح المصلحة وعمل مالك بالاستحسان، و غاية الجميع هي التوسعة على أنفسهم في تخيّر الأحكام الفقهيّة للنّوازل عبر تطويع النّصّ و حمله على غير محامله.
و لئن اشتقوا طائفة من هذه الأدوات الفقهيّة من النّصّ نفسه كالتأويل و النسخ فقد أرسوا معظمها استنادا إلى النظر العقلي المنفعل بالواقع التاريخي للجماعة، و أهمّها و أكثرها تأثيرا في استنباط أحكام الزّنا: مبدأ إجماع أو عمل أهل المدينة، و ظاهرة صناعة الأخبار. و لقد اطمأنّ الفقهاء إلى هذه الوسائل و برّروها و أذاعوها و حكّموها في عمليّة استنباط التشريع و نسبوا النتائج التي بلغوها بها إلى الشريعة الإلهيّة المعصومة. فما مدى وجاهة هذه الأدوات و حجّيّتها؟ و ما مدى مساهمتها في ظاهرة العدول الفقهي عن أحكام الوحي؟
4 -2 - 1 / النسخ
تعتبر مقالة النّسخ في الحقيقة وسيلة ضروريّة لحسم ظاهرة تنوّع الأحكام و اختلافها في القرآن. و لقد أعلن الخطاب نفسه عن وجودها في قوله: [مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [1] .
و لقد أكّد القرطبي هذا المعنى في مقام تفسيره للآية فقال:"معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام" [2] .
بيد أنّه لئن أرسى القرآن هذا المبدأ في آية محكمة بيانيّا و تشريعيّا فقد تشابه تطبيقه على الأحكام و أشكَلَ لعدّة أسباب أهمّها، أوّلا: حصول الاختلاف في تمييز النّاسخ من المنسوخ بسبب انفتاح البيان القرآنيّ على التّأويل و بسبب تعدّد الأحكام في نفس المسألة، ثانيا: حاجة الفقهاء إلى ملاءمة أحكام القرآن الثابتة للواقع المتنامي.
و لقد توفّرت هذه الأسباب في مشغل الزّنا باعتبار مابيّنّاه من تنوّع أحكامه في النّصّ و تعارض بعضها مع بعض و مع بعض الأخبار المنسوبة إلى الرّسول. غير أنّ الفقهاء المالكيّة قد جعلوا هذه
(1) - سورة البقرة:1/ 106.
(2) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن"، ج 1 ص 479 (البقرة: 2/ 106. المسألة 2) .