الصفحة 58 من 63

المسألة ذريعة لتطويع أهمّ أحكام الوطء الفاسد حتى تتناسب مع رؤاهم التشريعيّة المنفعلة بالواقع النفسي والموضوعي. و لقد برهنّا على حضور هذا الموقف الفقهي في غير مقام من بحثنا.

4 -2 - 2 / التأويل

يردّ عامّة الفقهاء و المفسّرين جانبا معتبرا من الاختلافات الفقهيّة إلى تشابه البيان القرآني أو احتماله لعدّة معان، فيفضى الاختلاف في الفهم و التأويل بالضرورة إلى اختلاف في الأحكام الفقهيّة. غير أنّه لئن جاز هذا التبرير في بعض أحكام الزّنا المتشابهة في القرآن، كآيتي الحبس و الأذى، فإنّه لا يجوز منطقيّا في نصوص الأحكام الواضحة. إلاّ أنّ المالكيّة قد أوّلوا - كما بيّنّا - كثيرا من الآيات المبينة عن مقاصدها و عدّلوا أحكامها بحسب اقتضاءات ما اصطلحوا عليه بالمصلحة، و أهمّها آيات الجلد والقذف و الّلعان.

و يعتبر التّأويل في الواقع من أهمّ الأدوات التفسيريّة / الفقهيّة العاضدة للفقهاء في إخراج الأحكام عن مقاصدها حتى توافق مذاهبهم و آراءهم الفقهيّة باعتبار أنّ طبيعة النّصّ الّلغويّة تؤول في كثير من الأنساق الدّلاليّة إلى تعدّد الفهوم و المحامل. و لئن اعتبرت مراعاة المقاصدالقرآنيّة في استنباط الأحكام من الآيات المتشابهة وسيلة منطقيّة مناسبة لترجيح فهم على غيره فقد استغلّ الفقهاء و المفسّرون المالكيّة في كثير من الأحيان احتمالات البيان المخالفة لمقاصد القرآن الأساسيّة و غاياته القصوى من التشريع وأرسوْا على أساسها أحكامهم الفقهيّة مراعين للمصلحة كما تصوّروها.

و تُجلّى مقارنة مفهوم التأويل في لغة العرب بالممارسة التفسيريّة المالكيّة مدى مفارقتهم له باستخدامه في غير معناه، نقل ابن منظور في شرح لفظ التّأويل عن"ابن الأثير: هو من آل الشيء يؤول إلى كذا رجع و صار إليه و المراد نقل ظاهر الّلفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرك ظاهر الّلفظ .. قال أبو منصور: .. التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه" [1] . و لقد بيّنّا في مواضع كثيرة من بحثنا أنّ القرطبي و سلفه كانوا يتأوّلون البيان القرآنيّ و يحوّلونه عن دلالاته الظاهرة و مقاصده المعلومة دون دليل أو داع سوى الحرص على موافقة الأحكام للمصلحة و على قدّ مقالة تشريعيّة شموليّة، وأنّهم لم يكتفوا من التأويل بتوضيح المعاني القرآنيّة حتّى جعلوه مطيّة لمفارقة كثير من الأحكام الواضحة.

و لقد ذكر القرآن في سورة"آل عمران"أنّ آياته منقسمة إلى صنفين مختلفين: الأوّل محكم والثاني متشابه، و أكّد على أنّ الصّنف الأوّل يمثل أصل الدّين و التعبّد و التكليف و التشريع، و أنّ الصّنف الثاني قد استغلِقت معانيه و امتنعت عن الفهم القاطع. ثمّ وصف من يتأوّل المتشابه من الآيات بالزّيغ. و اعتبر، مقابل ذلك، المتوقفين عنه من الرّاسخين في العلم: [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ] [2] . و لقد نقلت عائشة عن الرّسول أنّه"تلا (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .. و .. قال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم" [3] .

إلاّ أنّ القرطبي و سلفه قد قلبوا هذا الموقف القرآني و جعلوا من البراعة في التأويل دليلا على علم الفقيه و المفسّر، ففسّروا كلّ آيات القرآن، محكمها و متشابهها، مبرّرين هذه المخالفة الصّريحة بحجج و أساليب بادية الضعف و التكلّف، و ذلك بتخصيص المتشابه من الآي بالأساس في"وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور" [4] . ووجه الضعف في هذه الأقوال هو أنّ الآيات المقصودة شديدة الضآلة بالمقارنة مع آي القرآن، و أنّها غير قابلة بطبعها للتّأويل باعتبار أنّ القرآن قد أكّد اختصاص الذات الإلهيّة بعلم السّاعة و بخروج يأجوج

(1) - ابن منظور:"لسان العرب"، ج 1 ص 264.

(2) - سورة"آل عمران": 3/ 7.

(3) - نفسه، (المسألة الثانية) .

(4) - القرطبي:"الجامع لأحكام القرآن" (آل عمران: 3/ 7. المسألة الأولى) . ولقد بيّنا في محور المصادر من الفصل السّابق ورود هذا المعنى في مقدّمة"الجامع"، ج 1 ص ص 42/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت