الصفحة 60 من 63

و لقد بيّنّا في محور المصادر من الفصل الثاني استناد مالك إلى"عمل أهل المدينة"في درء حدّ النّفي عن"العبيد إذا زنوا" [1] مخالفا سيرة الرّسول و قول عمر الذي اتبعه سائر فقهاء السّنّة. و بيّنّا أيضا أنّ دافعه الأساسي هو رعاية مصلحة الأسياد التي غلّبها على الحكم النّبويّ.

4 -2 - 4 / صناعة الأخبار

بيّنّا في المحاور التي خصّصناها في بحثنا لمشاغل السّيرة أنّ الفقهاء و المفسّرين قد تنبّهوا منذ عصر البدايات إلى ظاهرة الكذب على الرّسول و على مشاهير الصّحابة و التابعين و أتباعهم من أعلام الفقه، و اعترفوا بأنّ الهدف الأساسيّ للمفترين هو إسناد مذاهبهم و آرائهم الفقهيّة و السّياسيّة حتى تكتسب الشرعيّة و تُجاز في التشريع أو في الحكم. و لقد أثبتنا أيضا اعتماد سحنون و ابن القاسم في"المدوّنة"على قدر معتبر منها في إرساء أحكام الزنا، و إقرار القرطبي لها و إضافته عليها رغم وعده بتحرّي منقولاته منها.

و معلوم أنّ صناعة الحديث و الأخبار لا تعني وضع الكاذب منها فقط و إنّما تعني أيضا صياغة الأخباريين و الفقهاء للنّصوص الواصفة للأحداث أو الأقوال المنسوبة إلى الرّسول أو إلى بعض مشاهير أصحابه بأسلوب يخدم التصوّر الفقهي لكلّ طائفة منهم. و لقد تجلّت هذه الظاهرة بدورها بوضوح في أحكام الوطء الفاسد الواردة في"المدوّنة"و"الجامع"إذ تميزت طائفة من الأخبار الشاهدة على بعض المذاهب في التفسير و الإفتاء بالاختلافات اللفظيّة المحوّرة للمقاصد رغم اجتماعها على نقل حدث أو قول واحد. و تجلّى ذلك خاصّة في أخبار أسباب النّزول التي اعتُمِدَتْ في فهم المقاصد القرآنيّة.

و لقد آلت هذه الممارسة - المحكومة في الغالب بعامل المصلحة - حتميّا إلى إخراج جانب هامّ من التشريع القرآني في الزّنا عن مقاصده، و إكساب الأحكام الفقهيّة من الشرعيّة و القداسة ما حمل المتعبّدين الإسلاميين على إحلالها محلّ النّصّ في التشريع ظنّا منهم أنّها ترجمة أمينة له. فأحوج ذلك، في تصوّرنا، إلى قراءة جديدة للقرآن و للمقالات الفقهيّة و التفسيريّة خاصّة بعد أن توفّر للعقل البشري قدرمشجّع من الحرّيّة و من الأدوات العلميّة الموضوعيّة.

الخاتمة العامّة

اجتمعت إذن الدّيانات السّماويّة و معظم الأعراف القديمة على تحريم الزّنا بأساليب متنوّعة ولدواع مختلفة أهمّها عند العرب قطعه للنّسب الذي يمثل أداة العصبيّة الضامنة لوجودهم و المحققة لاجتماعهم، و تلطيخه للعرض الذي حوّلته الحاجة إلى حفظ الأنساب إلى قيمة أخلاقيّة أساسيّة مثلت على مرّ العصور أهمّ الخلالِ الرّائزة لمكانة القبائل و الرّجال.

و لئن أقرّ القرآن هذا الموقف العامّ من الزّنا فقد تعاطى معه بأساليب خاصّة دأب على إرسائها، فسنّ عدّة عقوبات بدنيّة لمن يثبت عليه الوطء الفاسد، فقضى على الزّانيات بالحبس، و أتبعه بالأذى الذي لم تبيّن الآية المقصود به، ونصّف العقوبة للأمة المحصنة بالزّواج. ثمّ عدّل الحدّ و قدّره بمائة جلدة.

غير أنّه قد تشدّد في وضع الشروط لإثبات الزّنا فربط نفاذ الحدّ بتوفر أربعة شهود على الوطء، و قضى على من أدلى بشهادة فاسدة على الزّنا بثمانين جلدة، ثمّ استثنى الأزواج من حكم القذف، تخفيفا عليهم، فأرسى لهم حكما خاصّا وسمه الفقهاء بالّلعان.

و لقد تراوحت المواقف القرآنيّة من الوطء الفاسد بين إرساء الحدود من جهة و تبرير التحريم والوعظ ترغيبا و ترهيبا بترك الزّنا و الامتثال للنّواهي المقدّسة من جهة أخرى. و لم يقتصر الخطاب على سنّ الحدود البدنية و إنّما حاكى منهج الإنجيل القاضي باعتزال الزّناة ساعة حرّم عليهم نكاح المؤمنين و المؤمنات، و أسقط شهادة الرّماة بالزّنا و طعن في عدالتهم، و توعّد الجميع بسوء المنقلب في الآخرة.

إلاّ أنّ القرآن قد استدرك طائفة من أحكام الزّنا و فروعه برخصة التوبة، فجعل الإقلاع عن الوطوءات أو الشهادات الفاسدة، بعد إقامة الحدّ، مطهّرا من الذنب. و لم يستثن من هذه الرّخصة إلاّ حكم تحريم نكاح الزّناة الذي ذهب فيه الفقهاء و المفسّرون كلّ مذهب.

(1) - مالك بن أنس:"الموطّأ". كتاب الحدود، الحديث عدد 1300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت