فهرس الكتاب
و لقد تمسّك المسلمون بعد وفاة الرّسول بإمامة القرآن في العبادة والتشريع فسعى الصّحابة القرّاء، و من بعدهم فقهاء التابعين و أتباعهم إلى تمرين الأحكام القرآنيّة في الزّنا و غيره من المجالات التشريعيّة و تنزيلها إلى الممارسة القضائيّة. و بكّر مالك بن أنس بإقامة مذهبه مدّعيا استحضار أحكام الوحي و مقاصده في فقهه، و مستندا إلى ميزة إقامته في المدينة، فتدبر القرآن برأيه و شرح بعض غريبه و جعله أصلا في الإفتاء.
إلاّ أنّ إدراكه و سلفه لتكاثر النوازل التي لم يرد فيها نصّ قد حملهم على جمع ما بلغهم من أقوال و أفعال منسوبة إلى الرّسول ليسدّوا بها الحاجة التشريعيّة المتجدّدة، و صنّف مالك موطّأه الذي قدّسه أتباعه و جعله السّلطان مصدرا أساسيّا للتشريع رغم أنّ الرّجل لم يكتف فيه بجمع نصوص السّيرة بل ذيّلها في معظم الأبواب بأقواله و أقوال الصّحابة و التابعين، و رجّحها أحيانا على الأقضية النّبويّة و على القرآن في بعض الفتاوى، فصارت جميع هذه الجهات متكافئة في القداسة و الحجّيّة رغم اختلاف مراتبها التي أقرّها الفقهاء و الأصوليون أنفسهم.
و لقد ثبت لدينا و لدى معظم من سبقنا من الباحثين و المصنفين، و منهم القرطبي، استفحال ظاهرة الكذب على النّبيّ تحقيقا لغايات سياسيّة و تشريعيّة. و لم يخل"الموطّأ"، رغم مكانته عند المتعبّدين والفقهاء و أهل الحديث على السّواء، من أمثال هذه الأخبار الضعيفة التي اعتُمِدت في إرساء الأحكام. غير أنّ هذه الظاهرة قد زادت في الاستفحال بعدعصر مالك و استغلّها الخلف في مواجهة التشريع و حمله على ما تصوّروه أو ادّعوا أنّه مصلحة عامّة. و آل ذلك إلى الزّيادة في حدّة حياد المقالات الفقهيّة عن طائفة هامّة من أحكام القرآن في الزّنا و مقاصده منها.
و ورث أتباع مالك عن إمامهم فقهه و منهجه و تداولوه و طوّروه و نقلوه إلى الأمصار الإسلاميّة و درّسوه لأهلها و حملوهم عليه. غير أنّهم كادوا أن يقتصروا في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، شأنهم شأن معظم المذاهب الفقهيّة، على مواجهة النّوازل بما علموه من أحكام النّصّ ففرّعوا المسائل و الفتاوى و تناقلوها إلى أن ظهر سحنون القيروانيّ بين القرنين الثاني و الثالث الهجرييْن فجمعها في مدوّنته بعد احتياله في انتحال فقه شيخه أسد بن الفرات و رحلته به إلى مصر و عرضه له على ابن القاسم. و لئن راج تصنيفه في سوق الفقه و بوّأه في نهاية حياته إلى شغل خطّة القضاء في القيروان فقد وقع في سقطات منهجيّة و مضمونيّة أثبتنا من خلالها نسبيّة الأحكام و المصنّفات الفقهيّة المالكيّة و تجريبيّتها رغم دورها في التشريع و القضاء، و رغم ما أحاط بها من تعظيم و تقديس.
و من أفدح هذه السّقطات التي استخلصناها من مقاربتنا لمشغل الزّنا في"المدوّنة": مخالفة سحنون و ابن القاسم و شيخهما فيها لكثير من أحكام الوحي و مقاصده الصّريحة و إضافتهم عليها وتعطيلهم لبعضها.
و من أهمّ أسباب إخفاقهم في ترجمة أحكام النّصّ و تنزيلها إلى الممارسة القضائيّة هو أنّ تصدّيهم لاستنباط التشريع من القرآن قد أوقعهم على رأس سبيلين متفارقتين، و كان عليهم أن يسلكوا إحداهما، وهما: الأحكام القرآنيّة القاطعة و المنغلقة من جهة، و من جهة أخرى الرّصيد العرفي المتجسّم في الواقع التاريخي و المتجافي في كثير من مظاهره و خصوصيّاته و منهج القرآن و أحكامه في الزّنا أو في بعض المجالات المتعلّقة به كأحكام النّساء و الرّقيق باعتبارهم أدوات الزّنا و أسبابه الرّئيسيّة. فتواطأت معظم المذاهب الفقهيّة - دون تآمر صريح - على التوفيق بين السّبيلين المذكورتين بأسلوب بادي التكلّف في كثير من المقامات.
غير أنّ إدراك الطّبقة الإسلاميّة العالمة لحاجة الفقه إلى الالتحام بالنّصّ حتى يكتسب منه الشرعيّة الحاسمة قد دفعهم بعد ما ينيف عن القرنين إلى وضع المصنّفات في تفسير كلّ آيات القرآن و تأويله رغم تحريم الوحي لذلك.
و لقد آلت الغايات التبريريّة الباعثة على نشأة التفسير إلى حياد هذا الفنّ بدوره عن كثير من أحكام النّصّ و مقاصده الصّريحة. و لقد أثبتنا من خلال مشغل الزّنا في"الجامع لأحكام القرآن"أنّ القرطبي قد استغلّ تأخره الزّمني في تفسير معظم أحكام الوطء الفاسد بالأحكام الفقهيّة و الأقضية و السّير النّبويّة التي ثبت ضعف كثير منها و تناقضه.