الصفحة 62 من 63

و رغم اختصاص مصنّفه في التّفسير فقد انتهى من خلال مجادلة المذاهب الفقهيّة إلى إرساء نظام فقهيّ جامع لم يخل بدوره من السّقطات و الإخفاقات و التعسّف على أحكام النّصّ. غير أنّ تبرير القرطبي للأحكام الفقهيّة قد ساهم بصورة غير مباشرة في فكّ كثير من شفراتها، و أهمّها: أوّلا: تعريفه بالمجالات الفقهيّة و بالقضايا الحافّة بها، و إحالته الأحكام على مصادرها. ثانيا: إقراره من خلال التبرير بكثير من الدّوافع التّاريخيّة الموجّهة لتعامل الفقهاء مع أحكام الزّنا في القرآن.

و لقد انتهت وساطة الفقهاء و المفسّرين المالكيّة بين النّصّ و المتعبّدين إلى انحراف بيّنٍ عن بعض أحكام الوحي في الزّنا من خلال تحكيم السّيرة في القرآن و تحكيم الرّأي فيهما. و لئن تنوّعت دوافعهم إلى مفارقة مقاصد الوحي القاطعة التي سلّموا بعصمتها و قداستها و شمولها فقد اجتمعت كلّها تقريبا على مبدإ المصلحةالتي خالف الفقهاء ُ النّصّ في تشخيصها، مثلما تخالفوا فيه.

و لقد واجه أهل الفقه هذه المعضلة بإرساء ما ذكرنا بعضه من وسائل لغويّة و تاريخيّة و فقهيّة متنوّعة، ثمّ برّروها ببعضها و أجازوها في عرك النّصّ و تطويعه و حمله على غير محامله مستغلّين في كلّ ذلك طاقات التمويه و الإيهام في الّلغة، و موظفين علوم الفلسفة و المنطق الوافدة على الفكر الإسلامي بأساليب كثيرا ما برعوا فيها، و إن كانت أشبه بالسّفسطة الإغريقيّة القديمة القائمة على الإفحام و التمويه دون الإقناع. فانطلت الحيل الفقهيّة الحاصلة من تحكيم هذه الوسائل في الأحكام القرآنيّة على عامّة المسلمين، و تواطأت عليها خاصّتهم مع الفقهاء الذين لم يتورّعوا عن إرساء أنظمة تشريعيّة صارمة ومؤبّدة ضمنت لهم امتيازاتهم الطّبقيّة و العنصريّة على مرّ العصور.

و لقد آل الأمر بمالك و أتباعه إلى وضع شريعة موازية للنّصّ و ناطقة باسمه تنظم الاجتماع الإسلامي وفق رُؤاهم الخاصّة للمصلحة. فسيّجوا العلاقات الجنسيّة و حشروا أحكامهم في أدق خصوصيات النّاس رغم أمر الوحي بإسرار الخطايا و التستر عليها، و رغم زجر القرآن للمؤمنين عن التماشق بالفاحشة دون بيّنة قاطعة و تنكيله بمن يرمي غيره بالزّنا دون أن يحضر أربعة شهداء.

غير أنّهم قد برعوا من خلال ذلك كلّه في تمييز السّادة من الرّجال على النّساء و المماليك بالحرص على تجنيبهم الحدّ في كثير من النّوازل و التوسعة عليهم في الوطوءات، مدفوعين بباطرياركيّة المجتمع العربي المتفاعل مع الوحي و المستهدف الأوّل بشرائعه.

و لقد ثبت لدينا أنّ المتسبّب الأساسي في وقوع سحنون و ابن القاسم و القرطبي و غيرهم من الخلف في هذه المعضلة هو شيخهم مالك و من في طبقته من المحدّثين و الفقهاء. و يتجلّى دورهم في مظهرين أساسيين:

-أوّلا: نسبتهم لكثير من آرائهم و مذاهبهم الفقهيّة التّاريخيّة في النوازل الحادثة بعد وفاة الرّسول إلى النّصّ رغم خلوّه منها تصريحا أو تلويحا. فكان على اللاّحق أن يبرّر هذا الخلل في مرحلة أولى، ثمّ أن يستمرّ في اقتفاء نهج إمامه مع الاتعاظ بسقطاته.

-ثانيا: تشديدهم لأحكام القرآن في الزّنا من خلال ما أضافوه عليها أو نسخوها به من نصوص منسوبة إلى الرّسول و إلى أصحابه و من اشتهر من خلفهم. و نتصوّر أنّهم لو أبقوا على الأحكام القرآنيّة لما اضطرّ خلفهم إلى مخالفة نصّهم باعتبار خلوّه من حكم القتل، و ترهيبه عن أداء الشهادات في الزّنا بحدّ القذف، و اشتراطه لشهادة أربعة على الوطء حتى يثبت الحدّ، و هو أمر عسير التحقق في الواقع.

و مثلما تسبّب السّلف في ما يمكن أن نسمّيه تضليل الخلف فقد ورّط هؤلاء الخلف سلفهم في بعض المقامات كما بيّنّا بما نقلوه عنهم من أخبار و أحكام متضاربة و متناقضة. و يعود كلّ ذلك في تقديرنا إلى ما عرضناه من إفراط الفقهاء في حمل التشريع على تصوّراتهم للمصلحة.

و نشير في المنتهى إلى أنّ العلاقة بين الفقه و الواقع طبيعيّة، و أنّ التواشج بينهما حتميّ، و أنّ هذا الالتحام عامّ في ظاهرة التشريع. غير أنّ الفرق بين الأحكام الفقهيّة المستندة إلى المقدّس و الشرائع الوضعيّة المستندة إلى العقل و التجربة يكمن بالأساس في:

-أنّ الأحكام الفقهيّة تقع بين محورين ديالكتيكيَيْن هما: النّصّ الثابت و الدّاعي إلى التمسّك بالقيم الأخلاقيّة المطلقة عبر أداة الحدود و غيرها، و الواقع المادّي و القيمي المتطوّر و المندفع إلى التخلّي عن العتيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت