فهرس الكتاب
وماذا ـ بربكم ـ سيجني من عق والديه ، غير نكد في العيش ، وضيق في الصدر ، وشؤم في الأرزاق ، وعقوق من الأولاد ، يا ويل تلك النفوس الغليظة على الوالدين إن لم تعد إلى الله ، يا ويل تلك الأيادي الباطشة بالوالدين إن لم تتب إلى الله ، يا ويل تلك الألسنة السليطة على الوالدين إن لم تستغفر الله .
ربته أمه على ضعف ، وسقته من دمها ، وغذته من لحمها وعظمها ، يقوى وتضعف ، وينام وتسهر ، تظلم الدنيا في وجهها إذا أصابه مكروه ، وتبتسم الحياة أمامها إذا ابتسم ، تعاف لذائذ المتع من أجل راحته ، وتؤثره بأحلى الطعام وأهنئ الشراب ، تهدهده صغيرًا ، وترى فيه أملها كبيرًا ، فإذا بلغ قوته ، واشتد ساعده ،وانطلق لسانه ، زوّجته المرأة التي يحب ، ففرحت بفرحته ، وسعدت أكثر منه ، لكنني ـ أيها القارئ الكريم ـ فوجئتُ بصوت الهاتف يقرع سمعي .. فإذا بي أسمع صوتًا مبحوحًا باكيًا .. ممتزجًا بحشرجة صدر مريض .. ونبرات بكاءٍ تقطع نياط القلوب .. إنه صوتُ أمٍ مسنة أخذت تقصُّ حكايتها الأليمة لي في عقوق ولدها لها فتقول: لقد توفي والده بسكتة قلبية ، ومعي ولد يبلغ من العمر عشر سنوات تقريبًا ، وأنا مصابة بعدد من الأمراض المزمنة ، وهو الآن يسكن مع زوجته في الدور العلوي ، إنه يهينني كلما نزل ومرّ بي ، وينهال علي بأبشع السباب والشتائم ، وكلما تشاجر أخوه الصغير اليتيم مع ولده أخذ يهلك أخاه ضربًا في غاية القسوة وأنا لا أستطيع الدفاع عنه لشدة مرضي ولكبر سني ، ولا يكتفي بهذا بل يمسك أخاه من يديه ليمكّن ولده منه فيرهقه ضربًا وركلًا حتى يبرِّد ما في خاطره ، ويترك أخاه يذوق منه مرارة القهر والحرمان بدلًا من الحنان والأخوة ، بل إنه يمرّ عليّ أحيانًا وقد غطى وجهه عني حتى لا يراني ، ويقول لي بكل جفاء: أنتِ لستِ أمي .. ويتبعها بما لا يقوله مَنْ في قلبه شيء من رحمة أو رأفة ..وإنه ليفعل ويفعل ..