فهرس الكتاب
ما كنت أحسبني أسمع مثل هذا الحديث المفجوع في مجتمعاتنا المحافظة ، ولكنه الشذوذ والشقاوة فحسب ، فبدأت أعرض عليها نصيحتي له ، علّه أن يفيق من غفلته ، فقالت لي بكل خوف: لا .. لا تكلمه أخشى أن يؤذيني ويؤذي أخاه ، وما بي حيلة عليه وعلى قوته وبطشه . وطالت الشكوى بألوان من القسوة والغلظة .. فلم أحتمل ، فقلت لها: إذًا أرفع أمره إلى القضاء ، فعلا صوتها قائلة: تقول قضاء !! أشتكي على نور عيني !! أشتكي من ربيته بيدي ، وسقيته من صدري ؟! إنه حبيبي .. إنه ولدي حشاشة فؤادي .. هل أرضى عليه بالخزي والفضيحة .. إنما أرفع أمره إلى الرحمن الرحيم أن يهدي قلبه ، ويصلح شأنه ..
فعرفت أنها آهة مكلومة أرادت أن تنفس بها صدرها وتخفف عنها ثقلها ..
لا إله إلا الله .. كم للأم من قلب حنون .. وصدر رحيم ..
أيها الأحبة: لقد علمتُ من حالِه بعد ذلك بأنه يعيش مع نفسه مشدود الأعصاب .. مضطرب الأحوال .. ولا غرابة .. فقد ضل عن سبيل حديقة البر الهانئة .. وابتغى بدلها قفر الشقاوة وصحراء العقوق ..
فلنتعظ بغيرنا ، فالسعيد من وعظ بغيره .
الحديقة السادسة
حديقة تربية الأولاد
إنها حديقةٌ طريقها طويل وشاق ، غير أن فيه زينةً وجمالًا ، وإن مشوارها لمتعب ومرهق، لكن عاقبته طيبة محمودة ، الأولاد شجيرات مخضرة ؛ إذا سقيتها بماء الخلق . زهور جميلة ؛ إذا رعيتها بالتربية ، ربوع مشرقة إذا أضأتها بنور الإيمان ، فاصبر على طريق تربيتهم ، لتحصد منهم ما تقر به عينك ، ويسر به خاطرك ، فلفلاح أحدهم مرة ينسيك تعبك مرّات كثيرة ، ولنجاحهم سنة ينسيك سهرك معهم سنوات مديدة ، لا تلتفت ـ يا رعاك الله ـ إلى شقائك بهم في صغرهم ، فإنه سيثمر سعادة في كبرهم ، تابعهم في دروسهم وصلاحهم وصحتهم ، كن معهم بقلبك وقالبك ، فإن لم تستطع فبقلبك ودعائك ، واعلم أنهم أمانة في عنقك ، فلا تفرط فيها: ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) رواه البخاري .