الحمدُ للهِ الذي خلقَ الإنسانَ من أنوارِه، وتجلَّى عليه بما لا يحيطُ به إلا هو، فبرزتْ جميعُ الكائناتِ مشرقةً بسواطعِ أسرارِه، فسبحانُهُ من إلِهٍ أفاضَ على آدمَ الأسماءَ كلَّها، وأجلسَهُ على كرسي مملكَةِ العلومِ، وأسجدَ له الملائكة بأسرها، وجعلَ سرَّه متوجَّهًا بأكمل رُتَبِ العرفان، وحقَّقَهُ في مقامِ كنتُ سمْعَهُ وبصرَهُ (1) بأعلى مقاماتِ الإحسانِ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ على منبعِ الشَّريعة، والطَّريقة، والحقيقة، سيِّدنا محمَّد وآلِهِ وصحبِهِ الذين ورثوا وورَّثوا، وأوضحوا طريقه.
أمَّا بعد:
فيقولُ العبدُ الفقيرُ خادمُ الطَّلبةِ بالمسجدِ الحرام، كثيرُ الذُّنوبِ والآثام، المرتجي من ربِّهِ الغفران، أحمد بن زين دحلان، غفرَ اللهُ له ولوالديه، وأشياخِه، ومحبيبه، والمسلمين أجمعين آمين:
إنَّ الشيخَّ العالمَ الفاضلَ، والعمدةَ الهُمَامَ الكامل، محمَّد عبد الحليم بن الملا محمد أمين الله الأنصاريّ اللَّكْنَوِيّ، طَلَبَ مني أن أجيزَهُ بما يجوزُ لي روايةً، ودرايةً من العلوم، فاعتذرتُ منه لكوني لست أهلًا لذلك، ولا ممَّن يسلكُ تلك المسالكَ، فأبى أن يقبلَ مني شيئًا من الاعتذار، فامتثلتُ أمرَهُ تشبُّهًا بالأئمَّةِ الأخيار، فأقول:
(1) إشارة إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّ اللهَ قال مَن عادى لي وليًَّا، فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يَسْمَعُ به، وبصرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) . أخرجه البخاري في (( صحيحه ) ) (5: 2384) ، وابن حبان في (( صحيحه ) ) (2: 58) .